السبت، 31 أكتوبر 2026 القاهرة 20.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
حادثة التحكيم وإنصاف الشخصيات الإسلامية

حادثة التحكيم وإنصاف الشخصيات الإسلامية

مقالي هذا يعيدني بالذاكرة إلى مناهجنا الدراسية في التعليم ما قبل الجامعي، وما كان يصب في عقول طلاب العلم - وأنا منهم - من أخطاء يجب أن تصحح.

كنت أتوقف كثيرا عند حادثة التحكيم التي حدثت في اعقاب موقعة صفين سنة ٣٧ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم /٦٥٨ من الميلاد، وما جاء في الكتابات التاريخية عن سيدنا عمرو بن العاص، وسيدنا أبي موسى الأشعري - رضي الله عنهما - بما يخالف الواقع التاريخي، ويسيء إليهما كاثنين من أجل صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وجميع صحابته صلى الله عليه وسلم أجلاء.

وتمضي بي رحلة الزمن وأقف على ما كان من فضيلة الدكتور محمد الغزالي تجاه حادثة التحكيم؛ وذلك عندما تم تعيينه خطيبا بالأوقاف في مسجد عمرو بن العاص، وبعد مضي فترة استدعاه الشيخ الباقوري - وكان وزيرا للأوقاف آنذاك - قائلا له: ماذا بينك وبين عمرو بن العاص؟!!!.. وطلب منه أن يصلح مابينه وبين عمرو بن العاص؛ وإنه رآه في المنام، وهو يقول له: لقد غفرت للغزالي تطاوله علي، وكان الشيخ الغزالي في نفسه شيء وفي صدره من ابن العاص بسبب حادثة التحكيم.

وقد تبدو هذه القصة ذات مسحة أسطورية بعيدة عن التصديق؛ إلا أن إعمال العقل فيها يرجح حدوثها، وأنها جاءت في كتابات متخصصة اهتمت ببيان دور الشيخ الغزالي في تجديد الفكر الإسلامي، وهو أمر لا ينكره جاحد.

وكنت أتمنى أن يسعى الشيخ الغزالي - رحمه الله - إلى بيان حقيقة الحادثة، وماجاء فيها بشأن الصحابين المذكورين، خاصة موقف سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه.

وحادثة التحكيم هي حادثة تاريخية حدثت على أرض الواقع التاريخي، لكنه  من غير المقبول تصوير بطلي التحكيم - إن جازت اللفظة - بما لايليق به وصف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالأول - وهو عبدالله بن قيس المعروف بابي موسى الأشعري - يوصف بالغفلة والبلاهة، والآخر يوصف بالمكر والخديعة والدهاء، ويجسد هذا ما قاله ابن العاص لجموع المسلمين الذين حضروا التحكيم - حسبما جاء في الكتابات التي اعيب عليها - اشهدكم أن صاحبكم قد خلع صاحبه، ويقصد به سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنا أثبت صاحبي، ويقصد به سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وكان الحكمان قد اتفقا على خلعهما.

وتبقى النظرة الفاحصة للمروية التاريخية الخاصة بالتحكيم؛ والتي تشير إلى ضعف أسانيد هذه المروبة، وأنها اعتمدت على شخصيات معلولة وضعيفة وواهية، فهي مرويات تنسب إلى أبي مخنف الأزدي وهو شيعي، وأخرى تنسب إلى الإمام محمد بن شهاب الزهري، وهو من التابعين، ولم يعاصر الحادثة، ولم يعين أسماء من نقل عنهم.

وهنا أدعو الباحثين عن الحقيقة للرجوع إلى ما جاء عن حادثة التحكيم في كتاب العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي، وما جاء في كتاب منهاج السنة لابن تيمية، كما أن سيدنا معاوية بن أبي سفيان لم يكن طالبا للخلافة آنذاك ، حتى يتم خلعه، فقط كان يطلب القصاص من قتلة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، انطلاقا من قوله تعالى (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) الإسراء آية رقم ٣٣.

وفضلا عن ذلك، فمعاذ الله تعالى ان يوصف أبو موسى الأشعري بالغفلة والبلاهة، وهو الفقيه العالم المعلم، الذي كان يحرص على تعليم العلم حتى في أثناء الغزوات والجهاد، وهو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود، ثناءً على حسن تلاوته للقرآن الكريم.، كما كان أشهر ولاة البصرة في عهد أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتولى له القضاء، وإليه كانت رسالة ابن الخطاب في القضاء..، وكان يعد من قضاة الأمة، وغير ذلك كثير من مناقب الرجل، بما لايتفق مع تصويره بهذا الشكل في حادثة التحكيم المزعومة..

أما عن شخصية عمرو بن العاص، فهو صاحب مناقب متعددة جاءت في سنن الترمذي، وقال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم إنه من صالحي قريش، ودعا له قائلا: اللهم انصر عمرا...، وقال عنه صلى الله عليه وسلم: أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص، وقال عنه ابن الخطاب ما ينبغي لابن العاص أن يمشي على الأرض إلا أميرا، فضلا عن دوره في الجهاد في الشام ومصر وحدودها الغربية.

والجهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: باب من أبواب الجنة، وهو الذي نجح بالدبلوماسية والذكاء في دخول ولدي الجلندي (جيفر وعباد) في الإسلام، وهي منطقة عمان الآن بضم العين، وهو الذي دخل خيمة أرطبون الروم، وقال في شأنه ابن الخطاب: ضربنا أرطبون الروم بأرطبون العرب، وغير ذلك كثير مما حباه الله تعالى به من ذكاء وإعمال للعقل والحيلة، وهو ما استخدمه في صالح الإسلام والمسلمين.. فلماذا نصر على وصفه بالمكر والخديعة والمكيافيلية ، كما لا يليق وصف الآخر (ابو موسى الأشعري) بالغفلة والبلاهة؟!!!!

لعلي بذلك أكون قد نجحت في تفنيد حادثة التحكيم وما فيها من أخطاء وتجاوزات، وأن أكون قد انصفت شخصية الصحابيين الجليلين مما لصق بهما من افتراءات.. داعيا المولى عز وجل أن ينصفني يوم العرض عليه بعفوه ومنه وغفرانه وإحسانه... وعلى الله قصد السبيل.
------------------------------------------
بقلم: د. عادل يحيى
باحث أكاديمي وعضو اتحاد المؤرخين العرب

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:06
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.3°C
توقعات الساعات القادمة
20.3°C
22.6°C
24.5°C
25.4°C
25.9°C
26.2°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,063ج.م
عيار 21
6,180ج.م
عيار 18
5,297ج.م
الجنيه الذهب
49,440ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...