الأحد، 08 نوفمبر 2026 القاهرة 15.2°C
رئيس التحرير مجدي شندي
جحيم ترامب الموعود

جحيم ترامب الموعود

بدا الرئيس الأمريكى المنتخب "دونالد ترامب" فى حالة هياج مصنوع عقب لقائه الحميم مع "سارة" زوجة مجرم الحرب المطارد دوليا "بنيامين نتنياهو" رئيس وزراء العدو، وهدد بإشعال ما أسماه "الجحيم" ضد حركة "حماس" وأخواتها، إذا لم تفرج المقاومة الفلسطينية عن أسرى أمريكا و"إسرائيل" فى "غزة" قبل دخوله إلى البيت الأبيض ، وتنصيبه رسميا فى 20 يناير المقبل ، وقد بدا "ترامب" كأنه ينفذ البند الأول من جدول نصائحه فى كتاب "فن الصفقة"، الذى أصدره "ترامب" عام 1987 بالتعاون مع الصحفى الأمريكى "تونى شوارتز" ، وهو المبالغة والتضخيم والإثارة والترويج لمزايا عقاره حتى يمكنه البيع الناجز لأعلى سعر يريده ، وهو يريد فى هذه الحالة ، أن يصدر الرعب لحركة "حماس" وأخواتها ، وللوسطاء الإقليميين فى مصر وتركيا وقطر ، وبهدف دفعهم لإنجاز الصفقة التى يريدها بدون دفع الثمن ! .

وكما كان ينصح "ترامب" بشراء العقارات فى أوقات الركود الاقتصادى وانهيار الأسعار ، ثم يروج لتجديدها ويبيع بأغلى الأسعار، فهكذا يتصور أنه يفعل فى قضية "غزة" ، ويتصور كما غيره من المسؤولين الأمريكيين و"الإسرائيليين"، أن أوضاع المقاومة الفلسطينية صارت إلى حال ركود وبوار، وبالذات بعد استشهاد القائد "يحيى السنوار" ، وبعد عقد اتفاق تهدئة ملغوم على جبهة لبنان ، وبعد تحريك قطع "الشطرنج" الإرهابية على جبهة الداخل السورى، وكلها تطورات تغرى "ترامب"، وأغرت "نتنياهو" من قبله ، أن فرصة الإجهاز على صمود "غزة" المعذبة قد حانت ، وأن الوقت يدعم فرصه لأن يأمر فيطاع ، وحبذا لو أضاف بهارات التهديد الحارقة بالجحيم ، وأنه سيتحول ويظهر العين الحمراء حال عدم تنفيذ الأوامر ، ويشعل جحيما  ويضرب على نحوغير مسبوق "فى تاريخ الولايات المتحدة الحافل والمجيد " على حد وصفه ، ولا نعرف عن أى "مجد" أو "مجيد" يتحدث الرئيس المقاول ، وتاريخ أمريكا حافل بالجرائم المفزعة والهزائم الأكثر إفزاعا ، فلم تنتصر هذه "الأمريكا" فى أى حرب خاضتها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، والحبل ممدود على الجرار ، من هزيمة أمريكا فى "فيتنام" إلى هزيمتها فى "أفغانستان" ، وقد كان "ترامب" نفسه ، هو أول من سعى لإخراج القوات الأمريكية من "أفغانستان" ، ثم انتقد خلفه "جو بايدن" بسبب فوضى الانسحاب المهين بعد حرب السنوات العشرين ، وكأن شيئا آخر غير الفوضى والإهانة المستحقة ، كان ينتظر واشنطن أيا ما كان اسم ساكن البيت الأبيض ، ثم أن "ترامب" نفسه ، يسعى فى عهده الثانى الوشيك إلى خروج آخر ، ويعلن عزمه على سحب واشنطن من دوامة حرب أوكرانيا ، بعد أن صارت أمريكا قاب قوسين أو أدنى من هزيمة محققة هناك ، وتقدم الروس عسكريا فى ميدان الحرب ذات الطابع العالمى بأوكرانيا ، ولم يعد لدى "ترامب" ولا غيره ، سوى أن يسلم بحقائق الواقع على الأرض ، وأن يوقف نزيف مئات مليارات الدولارات ، التى أنفقتها واشنطن والغرب كله فى الميدان الأوكرانى ، ومن دون أن يستعجل الرئيس الروسى "فلاديمير بوتين" فى جنى الحصاد ، وإلى أن تتحقق شروطه كلها ، ومن غير توقف عند تراجعات أوحى بها "ترامب" ، من نوع رفض ضم ما يتبقى من أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلنطى "الناتو" ، وحتى الوعد بتفكيك العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا ، إذا لجأت "موسكو" لخفض مستوى علاقات التحالف الوثيق مع "بكين" ، وهو ما لا يبدو أن "بوتين" مستعد لتقديمه ، وهو ما قد يدفع "ترامب" إلى البحث عن متروكات ثمينة فى الحطام الأوكرانى ، وطلب الحصول على ثروات وموارد أوكرانيا بالجملة ، وابتزاز حلفاء واشنطن الأوروبيين ماليا ، وفى منطقتنا الشرق أوسطية المنكوبة الملتهبة ، قد يتصور "ترامب" كما تصور سيده وتابعه "نتنياهو" ، أنها تحولت إلى الربع الخالى ، مع إغراءات خضوع النظم الفاسدة المستبدة فى سوق الجملة ، وأنه قد يكفى التهديد بالجحيم حتى ترفع الرايات البيضاء ، وقد يكون ذلك صحيحا فى أحوال بعض الأنظمة أو غالبها ، وقد اختار "ترامب" صهره "مسعد بولس" ـ اللبنانى الأصل ـ كبيرا لمستشاريه فى شئون الشرق الأوسط والمنطقة العربية ، وبذات الطريقة "العائلية" ، التى اختار بها "ترامب" صهره الآخر "تشارلز كوشنير" سفيرا لواشنطن فى فرنسا ، وكان ابن تشارلز "جاريد كوشنير" يد "ترامب" اليمنى فى فترة رئاسته الأولى ، فيما يتعلق بعلاقات "إسرائيل" مع العرب والفلسطينيين ، وكان "كوشنير" ـ الإبن ـ وراء عقد اتفاقات "إبراهام" سيئة الصيت ، ووراء تدبيج ما أسمى صفقة القرن أو "صفقة ترامب" ، ووراء قرارات ضم القدس والجولان من قبل ، ولا يبدو رجل "ترامب" الجديد "بولس" مفيدا له أكثر من "كوشنير" اليهودى الصهيونى بامتياز، وبحكم المعنى الطائفى الظاهر لحكاية اختيار "بولس" ، فقد لا تبدو قصته فعالة بأكثر من حدود التفاعلات والمكايدات اللبنانية الداخلية ، وإعلانه الكاشف مبكرا عن السعى لنزع سلاح حزب الله بالكامل ، ودفع تيار الحوادث إلى إشعال حرب أهلية جديدة ـ لا قدر الله ـ فى لبنان ، ودونما مقدرة عملية فعلية على نزع سلاح الحزب ، الذى أثبت قدرته الفائقة على التجدد بعد اغتيال قادة حزب الله وعلى رأسهم "السيد حسن نصر الله" ، فى حين لا يبدو "بولس" قادرا بسهولة على إكمال خطة "اتفاقات إبراهام"، ودفع دولة عربية وازنة إلى المستنقع ذاته ، خصوصا مع تصميم "ترامب" على رفض ما يسمى "حل الدولتين" ، وسوابق إجماع الفلسطينيين على رفض صفقته الشهيرة السابقة ، وما استتبعه من تنصل النظم العربية الأقرب ميلا إلى واشنطن ، ولم يعد سرا ، أن "ترامب الثانى" ، قد يبدى تجاوبا وتأييدا لخطة حكومة "نتنياهو" فى الضم الرسمى النهائى للضفة أو أغلبها لكيان الاحتلال ، مع ضم "غزة" عمليا هى الأخرى ، وسوف ترفض الاتجاهات الفلسطينية حتى المعارضة لحركة "حماس" وأخواتها خطة ضم الضفة واحتلال "غزة" ، وهو ما يعنى إذكاء روح المقاومة الفلسطينية لا إخمادها .

والصورة العامة مع الاستطراد المتوقع للحوادث ، قد لا تترك مجالا فعالا لتهديدات "ترامب" بالجحيم ، خصوصا أن الجحيم قائم فعلا ، وحرب الإبادة الجماعية متصلة فى "غزة" منذ 14 شهرا ، وتشارك فيها واشنطن بأقصى طاقتها ، ليس فقط بحشد الجيوش والأساطيل وحاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية فى المنطقة ، وبالجسور الجوية والبحرية الواصلة للكيان بشحنة سلاح متطور كل يومين ، وبالحضور العسكرى الأمريكى المباشر فى صحراء النقب وتل أبيب ، وفى قلب "غزة" نفسها ، وبالقنابل الأمريكية الضخمة التى تدمر كل شئ ، وبتكنولوجيا المراقبة والمسيرات الأكثر تطورا ، وتشارك فى اغتيالات قادة المقاومة ، وليس بوسع "ترامب" أن يصنع جحيما أكبر ، خصوصا مع تكرار مزاعمه بأنه قادم ليصنع السلام (!) ، فالكل يعرف أنه قادم لتمكين "إسرائيل" وحدها فى الشرق الأوسط ، تماما كما فعلت إدارة "بايدن" من قبله ، وبطاقة تدمير فاقت تأثير القنابل الذرية نفسها ، ومن دون أن تنطفئ نار المقاومة ولا غاب نورها ، فبقدر المحنة يكون خلقها ، والطغيان والجبروت الأمريكى "الإسرائيلى" ، أدى ويؤدى إلى خلق مقاومة من نوع مختلف ، لا تنتهى حياتها باغتيال القادة ، بل يزيدها استشهاد القادة حضورا وتوهجا ، وهو ما جرى ويجرى على الجبهة الفلسطينية و"غزة" بالذات ، ومقابل العذاب الأسطورى ، الذى عاشه ويعيشه الشعب الفلسطينى، ورغم حملات التطهير العرقى والإفناء الجماعى للفلسطينيين فى شمال مدينة "غزة" بالذات ، ورغم القتل الممنهج البربرى بالقصف وبالتجويع ، وبالحرمان من أبسط مقومات الحياة ، رغم كل هذا العذاب الذى فاق كل تصور، فقد ثبت أنه بوسع المقاومة أن تجدد نفسها ، وأن تدير خلاياها حرب استنزاف متصلة ضد قوات العدو ، ولو أضيف حضور القوات الأمريكية رسميا ، فسوف تلقى مصير الاستنزاف الدموى ذاته غالبا ، وقد تكون ميزة "ترامب" ، قياسا إلى "بايدن" وأشباهه ، أنه لا يتحايل ولا يخفى شيئا ، ولا يتدثر بأغطية الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من الأقنعة الكاذبة ، وأنه لا يترك لأحد فرصة الشك فى حقيقة وجه وسلوك أمريكا القبيح ، فأمريكا هى الطاعون والطاعون أمريكا ، كما وصفها شاعر فلسطين الأعظم "محمود درويش" ذات يوم بعيد ، والطاعون "الترامبى" نسخة أصلية من طاعون رعاة البقر المؤسسين لهذه "الأمريكا" ، فيما لم تعد المقاومة الفلسطينية فى وضع الرجاء لرحمة واشنطن ولا لعطف غيرها ، فلم تعد من فرصة لاختيارات فى لحظة الهول بين سلامة وندامة ، ولم يعد لدى الفلسطينيين من شئ يخسرونه إلا قيودهم ، ورهان "ترامب" فى ترويع المقاومة والشعب الفلسطينى خاسر بالتأكيد ، مهما نكل وأخاف الأنظمة العربية المتداخلة فى الشأن الفلسطينى ، ومهما اغتال من قادة المقاومة بنيران جحيمه ، فإن شيئا لن يتغير بالترويع والترهيب والتهديد بالجحيم الموعود .
--------------------------------
بقلم: عبدالحليم قنديل
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:35
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
15.2°C
توقعات الساعات القادمة
15.2°C
16.2°C
18.5°C
20.6°C
21.4°C
22.5°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...