الاثنين، 02 نوفمبر 2026 القاهرة 22.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي
ثمن الحرية | من الأسر إلى المنفى.. حين تصبح الحرية ظلًا للوطن

ثمن الحرية | من الأسر إلى المنفى.. حين تصبح الحرية ظلًا للوطن

"حكاية الأسرى الفلسطينيين المحررين في القاهرة"

في السردية الفلسطينية، الحرية ليست هبة تُمنح، بل ثمن باهظ يُنتزع من بين أنياب الاحتلال والسياسة. ومع كل صفقة تبادل، يرتفع السؤال القديم بمرارة ما الثمن الحقيقي؟ ليس الثمن رقمًا في المفاوضات، بل أعمارًا مُستبدلة وحيواتٍ مؤجلة. فإسرائيل، إذ تمنح الحرية بيد، تُمسك بسلاسل المنفى القسري باليد الأخرى، ليقبل الفلسطيني الصفقة لا استسلامًا، بل إدراكًا بأن جزءًا من الحرية أفضل من الموت الكامل خلف القضبان.

في مدينة القاهرة، بين زحامها وعبق أحيائها العريقة التي تحفظ أنفاس الغربة، وصل رجال تحرروا من سجونٍ ضيّقة ليجدوا أنفسهم في سجنٍ أوسع اسمه "المنفى". إنهم الأسرى المحررون الذين خرجوا في دفعات متفرقة.

هؤلاء الرجال، الذين تعرف وجوههم معنى القيد وذاكرتهم مشبعة برائحة الزنازين، يحملون في أعينهم ضوءًا لا يطفأ بسهولة، كأن الحرية تسكنهم أكثر مما يعيشونها. أفرج عنهم الاحتلال، لكنه لم يفرج عن حقهم الأصيل في العودة، فكان مصيرهم الإبعاد القسري والحياة المنفية.

وجدوا في القاهرة حضنًا عربيًا آمنًا وسماءً لا تعاقبهم على انتمائهم، ولكن الوطن ظلّ خلف الأسلاك، يلوّح لهم من بعيد. يعيشون بين دفء النيل وحنين الأرض الغائبة، يدفعون الثمن بصمت نبيل، كأنهم حراس لذاكرة لم تُغلق بعد.

الإقامة هنا ليست لجوءًا رسميًا ولا حرية كاملة، بل حياة معلّقة بين الماضي الذي لا يعود والمستقبل المجهول. لقد خرجوا من الأسر كي يعودوا إلى الحياة، لكنهم وجدوا الحياة مؤجلة. المنفى له ملامح مزدوجة دفء في النهار، ووحشة في الليل. يصعد سؤالٌ مؤرق: هل يمكن أن يعيش الإنسان حرًا إذا فُقدت الجغرافيا من حوله؟

مصر، بدورها، احتضنتهم بصمتٍ كريم، حافظت على كرامتهم ووفرت لهم الأمان، مدركة أن بعض الملفات لا تُغلق بالتصريحات بل تُصان بالسكوت الشريف. استقبلتهم كأمّ تعرف أبناء الغربة، منحتهم الأمان دون ضجيج، وفهموا أن الكرم أحيانًا صامت وأن السياسة تمشي على رؤوس الإبر.

في القاهرة، يعيشون و يكتبون فصلاً جديدًا من حكاية الحرية الفلسطينية، التي تبدأ بالأسر ولا تنتهي حتى في المنفى. كل صفقة تحمل رقمًا وعددًا، لكن خلف كل رقم وجه واسم وذكرى. تجاوزوا أسوار السجن، لكنهم لم يتجاوزوا حدود الوطن. فكلما تنفّسوا الحرية، تذكروا أن الحرية بلا أرض تُشبه النافذة المفتوحة على جدار.

هم لا يجيبون بالكلام، بل بالبقاء. يعيشون كما لو أن انتظار العودة شكل آخر من المقاومة، وكأن أرواحهم تُقيم في فلسطين بينما أجسادهم تستظل بحدود أمهم مصر. فـالحرية الفلسطينية ليست لحظة فتح باب، بل مسيرة طويلة من الفداء المتكرر. والثمن مهما تبدّل يبقى واحدًا أن تكون حيًا، لكن خارج أرضك؛ أو تبقى سجينًا، لكن داخلها.

هكذا تفعل فلسطين بأبنائها تمنحهم المجد على هيئة اختبار، وتترك لهم حرية باهظة لا يقدر عليها إلا من تعلّم أن الحرية نفسها، في هذه البلاد، تُولد مقيدة. لقد تحرروا من قيد الأسر ليقعوا في قيد المنفى، وخرجوا من سجون حجرية ليدخلوا في سجن من غياب الوطن. في صمتهم شيء من الشعر، وفي غربتهم معنى الوطن المؤجل.
------------------------
بقلم: حاتم نظمي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة02:58
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
22.6°C
توقعات الساعات القادمة
22.6°C
21.2°C
20.8°C
20.3°C
19.8°C
19.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,028ج.م
عيار 21
6,150ج.م
عيار 18
5,271ج.م
الجنيه الذهب
49,200ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...