تَجَلٍّ جَدِيدٌ فِي حَضْرَةِ الكَلِمَةِ الإِلَهِيَّةِ
أولًا: المشهد الإلهي في بُهُوِّ القرآن
في حضرة القرآن الكريم، حيث تتلألأ أنوار الهداية، وتتنزل على القلوب السكينة، نقف اليوم أمام مشهد من مشاهد البلاغة الإلهية التي تَجلَّى فيها عظمة الكلمة وقدسيتها، وذلك في قوله تعالى:
> ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: 15-16].
إنها كلمات ليست كالكلمات... كلمات تنفذ إلى عمق النفس والعقل، تجمع بين رهبة التهديد وسُموِّ البيان، وتفتح أمام العقل البشري أبوابًا من التأمل في دقائق النفس والكون.
ثانيًا: أبعاد المعنى في السياق القرآني
الآيات جاءت في مقام الردع والزجر لأبي جهل، رمز الطغيان في مكة، الذي بلغ به الكبر أن ينهى رسول الله ﷺ عن الصلاة عند الكعبة. فجاء التحذير الإلهي حاسمًا: ﴿كَلَّا﴾ أي: حقًا لا وألف لا، لئن لم يكف عن طغيانه ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾.
والسفع: هو الجذب العنيف المؤلم من مقدمة الرأس، في صورة إهانة بالغة، كأنما يُجَرُّ من موضع عزته وكبريائه. وليس أعظم إذلالًا للمتكبر من أن يُقبض عليه من موضع تيهه. ثم جاء وصف الناصية بـ: "كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ"، وهنا يتجلى الأسلوب الإلهي في تصوير الذل والإهانة، حيث لم يقل "ناصية صاحبها كاذب خاطئ"، بل نسب الكذب والخطأ إلى الناصية ذاتها، تصويرًا لتحقير صاحبها، وتوبيخًا على فساد منطقه وفعله معًا.
ثالثًا: الإعجاز اللغوي والتصوير البياني
القرآن هنا يصنع لوحة بيانية مدهشة: استخدام "لَنَسْفَعًا" بدلًا من "لنأخذن" يحمل في طياته القوة والشدة. نسبة الصفات القبيحة (الكذب والخطأ) إلى "الناصية" تجسيد لبلاغة "التجسيد والتشخيص" في العربية، إذ جعل الناصية كأنها كائن مستقل يحمل صفات الذم. الجمع بين "كاذبة" (في القول) و"خاطئة" (في العمل) يُبرز شمول الفساد في القول والفعل معًا. إنه خطاب يرتعد له الطغاة، ويخشع أمامه أولياء الله.
رابعًا: تجليات الإعجاز العلمي في الكلمة الإلهية
العقل البشري في هذا العصر اكتشف ما أشار إليه القرآن منذ أربعة عشر قرنًا؛ حيث أثبت علم الأعصاب أن منطقة "الناصية" (مقدمة الرأس) هي المسؤولة عن التفكير واتخاذ القرارات الأخلاقية، والكذب والصدق، والسلوك الإرادي. فالإنسان إذا كذب أو أخطأ أو استكبر، فإن مركز ذلك كله في "الناصية". وقد بيّن الله تعالى هذه الحقيقة في قوله: "نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ".
وليس ذلك من باب المجاز البلاغي، بل وصف دقيق لجذر السلوك الإنساني الذي يتجسد في مقدمة الدماغ. والإشارة إلى إمساك هذه الناصية وسحبها ليست مجرد تهديد، بل فيها تصوير علمي لطبيعة موضع القرار الإرادي عند الإنسان.
خامسًا: وقفة إيمانية وتربوية
إن الذي يتأمل هذه الآيات لا يسعه إلا أن يخشع أمام عظمة الكلمة الإلهية: كيف أن الإنسان، مهما بلغ من جبروت وسلطان، نهايته إلى ذل وهوان إن هو كذب وخطئ. وكيف أن الإنسان مسؤول عن تهذيب "ناصيته"؛ أي منطقه وعقله وسلوكه. وفيها دعوة خفية لكل ذي قلب أن يجعل ناصيته سجودًا لله، لا طغيانًا على خلق الله، فكل من أذلّ ناصيته لله رفعه الله وأكرمه.
سادسًا: دلالة عقلية عميقة
لو تأملتَ في تصرفات الجبابرة والمستكبرين عبر العصور، لوجدتَ أنهم جميعًا حين يسقطون، يُذلون في نفس الموضع الذي تكبروا به: من تكبر بعقله أذله الله بالجنون. ومن تكبر بسلطانه أذله الله بالخلع والطرد. ومن تكبر بجسده أذله الله بالمرض والعجز. إنها سُنة إلهية أن يُعاقب المرء في "ناصيته"؛ أي مظهر استعلائه.
المصادر:
القرآن الكريم – تفسير ابن كثير – تفسير الطبري – د. فاضل السامرائي (بلاغة القرآن) – د. زغلول النجار (الإعجاز العلمي في القرآن والسنة) – د. عبد المجيد الزنداني (دراسات في الإعجاز العلمي) – معاجم اللغة العربية (لسان العرب، مادة "سفع" و"ناصية").
……………………….
بقلم: خالد أحمد مصطفي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري