توني موريسون التي لا تنسى
سعيت للقاء الكاتبة توني موريسون ثم لم يسعفني الحظ، كي أجري معها حوارًا يرد على الكثير من الأسئلة التي تدور في ذهني منذ قرأت أول عمل لها، فهي الكاتبة الوحيدة من بين كل من قرأت لهن التي جعلتني أعيد النظر في مسألة الكتابة النسوية التي لا أعترف بوجود خصائص لها حتى من حيث اختلاف النظرة إلى العالم كما يبرهن البعض. لكن التعمق أكثر في أعمالها جعلني أدرك أن المرأة الآفرو أمريكية تمتلك في حياتها نسقًا خاصًا بها وحدها فهي تعيش وسط مجتمع أمومي صرف تختار رجلاً وهي تعرف أنه سيستولدها أطفالاً ثم يتركها تربيهم منفردًة دون أدنى مسئولية عليه، حتى مع القوانين الاجتماعية التي تفرضها الحكومة الأمريكية لرعاية الأطفال.
إذ تقوم النساء بوظيفة جماعية لرعاية الطفل تشارك فيها الجدتان والجيران وزميلات العمل بتكاتف مذهل تتبعته وحققت فيه بنفسي. هذا المجتمع الذي عكسته روايات ومسرحيات توني موريسون أحد أبرز كتاب الأدب الآمريكي المعاصر. هذه المعرفة جعلتني لا أتردد في القول أنه صحيح هي تقدم عالمًا فريدًا لكن تظل فرادته من خلال واقعه، وليس من خلال اختلاف في خصائص الكتابة بسبب كونها امرأة.
السبب الثاني الذي كان يثير فضولي للحوار معها هو الاستفزاز الغريب جدًا الذي حدث للكاتبة الجنوب إفريقية الحاصلة على نوبل أيضًا نادين جورديمر وأنا أحاورها حين سألتها عن أعمال توني موريسون. حتى أنها سألتني قائلة ما هذا الاسم الغريب توني موريسون هذا ليس اسمًا إفريقيًا. واعتبرت اعمالها لا علاقة لها بإفريقيا.
كل من قرأ لمريسون عشق لغتها، الغنائية المحملة بطاقة شعرية محلقة غير مترهلة للتناسب مع الفن الروائي، وانتبه لاهتمامها بالقضايا الكبرى، واهمالها لموضات الكتابة عن اليومي، فقد فرضت وجودها رغم أنف الاتجاهات الداعية لمركزية الفرد البطل في أوروبا وأمريكا، واشتهرت بدفاعها عن حقوق الأقليات وفلسطين بالطبع، ونالت أعمالها البحثية في الأدب شهرة أعمالها الروائية وحصدت العديد من الجوائز من نوبل إلى بوليتزار، وغيرها.
كتبت عن عدد من روايتها حين صدرت مترجمة إلى العربية واحتفيت بها لكن تظل روايتها الأولى "أكثر العيون زرقة" هي الأكثر تأثيرًا في وجداني لعدة أسباب؛ أولاً لأنها أصدرتها وهي في الأربعين من عمرها بعد حياة حافلة في تدريس الأدب بالجامعة، وثانيًا لأنني شعرت بحميمية الكاتبة ومعرفتها الواسعة بالعالم الذي تقف أمامه لتقدِّمه لنا، هذا الصدق الذي يشعر به القارئ من الوهلة الأولى ومع أول فقرة تبدأ بها العمل بأغنية أرادت لكلماتها أن تقال بوضوح مرة ثم تندمج حروفها معًا لتمثل إيقاعًا خاصًّا لم يغب عن عين توني موريسون في أعمالها اللاحقة بعد ذلك، هذا الدق أو الإيقاع الإفريقي الذي أشعرتني أنه يوازي نبض الدم واعتبرته بعد ذلك هيكلاً تقيم عليه روايتها الأكثر شهرة والأكثر فنا وإتقانا «جاز» والتي جاءت تماما مثل موسيقى الجاز؛ إيقاع وانتشار فطري بسيط لكنه قوي ويهز الروح ويأخذك على جناحه إلى أجواء الغابة وعزف الريح وخشخشة الأوراق تحت قدم أسد، وهسيسها تحت قدم طائر ناعم.
عرفت من قراءتي لأول عمل لها أنني حقا إزاء كاتبة عملاقة ستبقى أعمالها في وجداننا زمنا طويلا وخالدًا ولسنا إزاء صرعة من صرعات الموضة الأدبية التي تأتي بها الجوائز أحيانا.
فأعمالها تظل ساكنة للروح بسبب حميمية الشخوص، حتى إنك تجزم أنك قابلتها في حياتك وتعاملت معها، بل إن بعضا منها يقبع خلف جلدك رغم بعد المسافة واختلاف الظروف، والسبب هذه الإنسانية المدهشة والبساطة السهلة التي تقترب من العبقرية في الأداء الفني وليس بسبب أن هذه الظروف التي يعيشها أبطال توني موريسون هي ظروف القهر والفقر والمرض في بداية القرن، فهي مغرمة بالسنوات التي تبدأ بعد الحرب العالمية الأولى والتي تشبه ما عانيناه وما زلنا في بلادنا، ولكن لأنها شعرت وتشعرك في كل لحظة أنها إزاء كنـز إنساني ثمين لم يكشف عنه بعد، ابتداء من اللغة التي حرصَتْ أن تكون بصوت هذا المجتمع الذي احتفظ بالتنغيم الخاص لكلماته حتى إن الكلمة تنقلب معناها إلى معنى مضادٍ، وأحيانا مغاير، طبقًا للطريقة التي تلقي بها، وهو ما جعل المترجم كامل يوسف- وهو من أفضل المترجمين العرب- يشير في بداية الرواية إلى حديث لها عن اللغة قالت فيه إن ما يفعله السود بصوت اللغة، بخواصها النغمية شيء فاتن، حتى إنك لا تحتاج إلى الاعتماد على المعجم، ويمكنك أن يكون لديك معجم محدود جدا. إن موسيقية اللغة تتأكد في كلام السود، معارضة الكلمات وتخلق أنواعا معينة من الصور في اللغة شاعرية أيضا، وأشكال القلب ممتعة. إنها إحدى وسائل التمكن من اللغة.
وتدور الرواية التي يحمل عنوانها موضوعها بالفعل عن رؤية الأفرو أمريكي للجمال والقبح وكيف ترسخت في وجدانه على مدار أعوام طويلة صبغة للجمال هي الصبغة الأوربية: العيون الزرقاء والشعر الأصفر والبشرة البيضاء، ولأن أصحاب هذه الصفات يتمتعون بحياة ورفاهية خاصة، ولهم حقوق لا تستطيع أن تتلمس الطريق إليها طفلة زنجية فقيرة ولا تفهم بالتالي أسباب هذا الاختلاف الجوهري في طريق الحياة، فإنها تحلم طوال الوقت بالعيون الأكثر زرقة في العالم، تحلم أن يهبها الله هذه العيون لكي تكون وسيلتها لتحيا حياة هؤلاء البشر البيض.
من خلال هذه التيمة البسيطة الموجهة تبني توني موريسون العالميْن المتضاربين اللذيْن يعيشان معًا، بل تتوغَّل أكثر لتكشف عن العوالم المختلفة التي يعيشها السود وما هو المعيار الذي يحكم اختلاف العالم الذي يحيا، وكل ما يخشاه كلمة واحدة هي التشرُّد، أن يحافظ على أن يكون له مكان سواء بالإيجار أو الملكية، وإن كانت عشة صغيرة من الصفيح أو الخشب تحميه من غول التشرد الذي يتربص بالأبواب.
نتابع مع بطلة القصة كيف تترسخ صورة القبح عند الزنوج، وكيف يلقى عليهم القبح كسمة أساسية لحياتهم لا يحاولون مناقشتها ويقنعون بها فتشوه نفسياتهم ويصدقونها دون محاولة واحدة لتغيير هذا، ومع نمو الفتاة في الزمن القصير للحدث الذي يجعلها تتفتح على الحياة ومن خلال الزمن الأطول الذي تسمح لنا به توني موريسون عن طريق الفلاش باك نقرأ تاريخ شخصياتها وعالمهم ونعرف أنه من بين كل الأمل والخوف والشهوة والحب والحزن لم تبق إلا التربة المجدبة التي لم تنبت إلا زهور القطيعة بين خريف ذلك العام 1941 فقد ماتت البذور وكذلك البراءة.
إنها رواية النمو والتفتح والسؤال الكبير: لماذا نسكت على الظلام الذي يقبع حولنا دون أن نحاول أن نزيح بعضه لنرى.
هكذا بدأت توني موريسون، عملاقة، تعرف هدفها وقراءها فتصل إليهم بسهولة. ثم توالت الأعمال وحققت روايتها محبوبة أعلى انتشار ممكن، وانطلقت تكتب الروايات والأغاني وتنتصر للمهمشين ثم رحلت تاركة إرثًا إنسانيًا يحفظ لها مكانتها في التاريخ.
-----------------
بقلم: هالة البدري
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري