الجمعة، 30 أكتوبر 2026 القاهرة 17.2°C
رئيس التحرير مجدي شندي
تعا اشرب شاي | فنون التطبيل أمام عزرائيل

تعا اشرب شاي | فنون التطبيل أمام عزرائيل

(أرشيف المشهد)

  • 19-8-2015 | 16:42

كان إبن أخى لم يزل صغيرا حين سألته إن كان يحبنى ،فأجابنى : بصراحة ﻷ ، كانت إجابته تلقائية وسريعة وقاطعة ، فكدت أن أقع من فرط الضحك ، لم أتوقف إﻻ كى أمنع والدته من ضربه بسبب "قلة ذوقه" حسب ما رأت.

عندما عدت إلى البيت أخذت أفكر بجدية فى أمر الصغير ، فهذه هى المرة اﻻولى التى أتلقى فيها إجابة كتلك ، وعندما راجعت سلوكى معه وجدت أنه على حق ، فأخوه اﻷكبر هو الطفل اﻷول لذلك فهو إبن العائلة المدلل ، وأخته الصغيرة فى أجمل مراحل الطفولة لذلك فهى تخطف قلوبنا جميعا بكلماتها المبعثرة وردود أفعالها المباغتة ، أما هو فلا أحد يعيره اﻹهتمام الكافى و ضاع حقه بينهما.

علمنى هذا الطفل وقتها أن أراجع مواقفى ، ليس معه فحسب وإنما مع كل من أعرف ، بداية من الصغار حتى كبار السن أولئك الذين نعاملهم ككومبارس صامت فى حياتنا ، فحين نجتمع ﻻ نوجه إليهم سوى كلمات المجاملة العابرة من حين لآخر بينما ننهمك فى حوارات جانبية كأن ﻻ وجود لهم بيننا.

أحسست أننى مدينة له بالشكر ، فقد فعل الشئ الذى يكاد أﻻ يفعله أحد معى سوى أبى وأمى ، وهو مصارحتى بعيوبى ، لذا فقد كنت متعاطفة مع مبارك – كإنسان - حين إندلعت ثورة يناير ، كنت أرى أنه لم يجد شخصا يحبه بحق ، فلو كنت إبنته أو زوجته لنصحته منذ سنوات عديدة بالتنحى تماما كنجوم الرياضة الذين يعتزلون وهم ﻻ يزالون على القمة وبذلك تظل ذكراهم طيبة فى قلوب الجميع ، إﻻ أن كل فرد ممن حوله كان يحب نفسه أكثر مما أحبه ، كل المحيطين به كانوا مستفيدين من وجوده فصعب عليهم إسداء النصيحة المخلصة ، كل رموز الدولة فى كافة المجالات لم يحبوه بصدق فلو أحبوه بالفعل لوجهوا له النقد أو كفوا عن مدحه على أقل تقدير ، ولكنهم كانوا يتصرفون معه تماما "كمجاذيب الست" عظمة على عظمة ياريس حتى وإن عطس.

كنت أرى أن عصر مبارك هو اﻷكثر نفاقا و تطبيلا ، ليس فقط تجاهه وإنما على كافة المستويات ، فكل مسئول له شلة الهتيفة الخاصة به ، والبعض يتخذها مهنة تماما كالمعددة التى تقبض مقابل الولولة على الميت ، فهو يهتف فى كل المجالس وفى كل المواقف وأضدادها.

الحقيقة أننى عندما عدت بذاكرتى إلى الماضى وجدت أن التراث المصرى يشجع على ذلك التطبيل ويلقنه للأطفال مع وجبة السيريلاك ، وﻻ أنسى حدوتة جدتى "أمنا الغولة" التى قصدتها عند البئر فتاة - مفروض فى الحدوتة أنها غبية - وهى تمشط شعرها المملوء بالقمل ، فأمرت الفتاة أن تأكل ذلك القمل ، فتأففت و إشمأزت ، فما كان من أمنا الغولة إﻻ أن صبت عليها جام غضبها جزاء وفاقا ، وأخذت تأمر بئرها قائلة : يا بير يا بير إملاها قمل وصراصير ، ثم جاءتها الفتاة - الذكية راجحة العقل -وحين أمرتها أن تأكل قملها ، أخذت تتغزل فى طعمه وحلاوة مذاقه ، فكافئتها أمنا الغولة على لباقتها وحسن أدبها ، فأمرت بئرها قائلة : يا بير يا بير لبسها حرير فى حرير ، يا بير يا بير إملا إديها لولى ودهب كتير ، فلا عجب أن ننشأ على التطبيل كل فى مجاله ، فالسياسى يحمل دف التقدم ورجل الدين يحمل دف الفضيلة ، و رجل اﻹقتصاد يحمل دف النمو والرخاء......... إلخ أما اﻹعلامى فهو يحمل باﻹضافة إلى بوقه ، أبواق جميع السادة المطبلاتية.

لم أكن اتخيل أن يأتى على اليوم الذى أترحم فيه على التطبيل فى عهد مبارك و أقتنع أن هتيفة ذلك العهد كانوا عيال خيبانة ومبتدئة مقابل ما أراه اليوم ، فلصالح من كل هذا النفاق ؟

لو كنت مسئولة لنفضت كل هؤﻻء من حولى ﻷنهم بإختصار ﻻ يحبون سوى أنفسهم ، فلا تهمهم مصلحتى و ﻻ مصالح العباد ، و قد صعدوا حالة التطبيل إلى أعلى مستويات النفاق و ببجاحة يحسدون عليها ، فلم تعد جملة (شلوت سعادتك دفعة للأمام ) نكتة، بل واقعا ملموسا ربما يضيف إليه البعض شيئا من التجلى فيقول أن البركة قد حلت بجسده منذ أن مسه الحذاء الطاهر لذلك المسئول أثناء ضربه بالشلوت.

لقد أصبحنا فى صالة مزادات النفاق ، عن نفسى سأفتتح المزاد وأعلن أن رئيسى فى العمل من العشرة المبشرين بالجنة (أيوة هو كدة و ما حدش يسألنى حيدخل بدل مين من الصحابة) ها مين يزود؟

قديما قالوا: صديقك من صدقك ، و رضى الله عن سيدنا عمر بن الخطاب الذى قال وهو من هو : إهدوا إلى عيوبى.

السادة المسئولون اﻵن ليسوا أكمل من عمر فإهدوا إليهم عيوبهم بأدب و بنية اﻹخلاص ، فإن لم تنتهوا فلا أقل من أن تنافقوهم دون أن تسمعونا أصواتكم، فقد أصابنا الغثيان وأصبحنا نحسد الصم ﻷنهم ﻻ يسمعون نعيق طبولكم ، و لكن تذكروا قبل أن تبدأوا فى الضرب على الدفوف ، أن ﻻ أحد سيخلد فيها فاﻷولى أن تتعلموا فنون التطبيل أمام عزرائيل إن كان ذلك سيشفع لكم عنده.

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:04
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
17.2°C
توقعات الساعات القادمة
17.2°C
16.6°C
16.0°C
15.4°C
15.6°C
17.9°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر

أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...

وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,228ج.م
عيار 21
6,324ج.م
عيار 18
5,421ج.م
الجنيه الذهب
50,592ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...