الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 القاهرة 21.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
ترنيمة عشق | غزة تروي حكايا الوجع

ترنيمة عشق | غزة تروي حكايا الوجع

وتكتب غزة تاريخها بدمها فتغير سرد العالَم عنها، فطِن أهلوها لأهمية أن يستعيدوا روايتهم بأنفسهم وبأصواتهم وبأوجاعهم.. وبرؤاهم، بعد أن شوهتها عدسات وبيانات الآخرين.. فوحدها تملك عدسات قادرة علىٰ تصوير صوت الوجع.

نجخت غزة في أن تغير ضمير العالَم، حين فضحت ازدواجية المعايير.. فأجبرت الشعوب - تحديدًا - علىٰ الخروج لإعادة تعريف وصياغة مصطلحي: "العدالة"  و"الإنسانية".

أفلحت غزة في القبض علىٰ ذاكرتها؛ لتحوي الذي رحل من أهلها وبيوتها المهدمة وحواريها وأزقتها المدمرة.. وثّقَته بعدسات الوجع والألم الممزوجان بالكبرياء، فأدركنا -حينها- قداسة كل حجر بعد أن صار شاهدًا يتكلم.. وقيمة كل جدار لأنه بات يحمل قصصًا وروايات كُتبت بالدم.

علمتنا غزة أن مفراداتها من بشر وحجر وشجر مهما غابوا فالمكان يتنفس عطرهم؛ وعبق أفكارهم؛ ورؤاهم؛ وطُهر عقيدتهم؛ وعمق تمسكهم بأرضهم ومبادئهم التي مزجوها لأبنائهم مع حليب الأمهات.. وربما وهم ما يزالون أجنة في الأرحام الشريفة يسّمعون في صمتٍ جليل لحكايا الأباء والأجداد قبل أن تطأ أقدامهم أرض غز..ة العزة.

علمت غزة العالم كيف يزرع الزهر فوق الركام.. وكيف يرسم شمسًا أعلىٰ الجدار.. يقينًا بقدرة أهلها على إنبات الضوء ثانيةً من تحت الأنقاض.

أدركت غزة أن كل أقلام العالَم باهتة.. باردة.. وأن البيانات مفبركة وميتة، وأن العالَم يبيع الوهم في نشرات الأخبار، وأن عبارات الشجب والتنديد تُسكب علىٰ جراحها تمامًا كما يُسكب الملح على النار.

قبضت علىٰ كرامتها؛ وبصُرت دمها السيال فقررتْ أن تكتب به قصة وجعها، فهو الحبر الذي لا يجف ولا ينطفىء.

كتبَتْ وسجلَتْ أمام أعين العالم عن كل بيت هُدّم وهو يحوي داخله فصلًا من كتاب العزّة.. عن كل طفلٍ ناجٍ يحمل عنوانًا جديدًا في سجل الكرامة.. عن كل امرأة عفيفة قدمت الأبناء والزوج شهداء..حقًّا تعبت من بكاء الفراق؛ لكنها ما تزال تسرد كتاب الله دون دمعة يأسٍ أو ندم.

قد تصمت غزة وأهلها حينًا.. ساعتها اعلمْ أنه ليس ضعفًا.. بل لغتها الخاصة التي هي أعمق من كل الخطب الرنانة التي امتازت بها "أمة الخطابة".. لغة الجِراح التي تروي الحكايا دون وسطاء.. لغة الأمهات اللاتي يحضنّ الثرىٰ في صمت دفيء كأنه مهد طفلٍ غائب لكنه حتمًا سيعود.

في ذات الوقت لم ولن تنتظر غزة أن يعتذر أحد عن صمته تجاهها، أو يحاول -كيلا يُراق ماء وجهه- أن يُربت علىٰ وجعها، موقنةً أن الكرامة لا تُستجدىٰ ولا تُصاغ في عبارات، بل تُسقىٰ بالدماء في الأزقة المحاصرة.. لتخط" سِفر البطولة" لمدينة لن تموت مهما نزفت.. لمدينة لا تسمح للهزيمة أن تسكن روحها، لذاكرة عصية علىٰ أن تنسىٰ ما سجلته بدماء أبنائها.. فهل تعبت غزة أم أتعبت ضمير العالم؟
------------------------
بقلم: حورية عبيدة


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة02:35
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
21.3°C
توقعات الساعات القادمة
21.3°C
21.0°C
20.4°C
19.7°C
18.9°C
18.2°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

الذبح لمن استطاع سبيلا

بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة

السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,263ج.م
عيار 21
6,355ج.م
عيار 18
5,447ج.م
الجنيه الذهب
50,840ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...