الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 22.7°C
رئيس التحرير مجدي شندي
تركيا في مرمى النار: الغاز يشعل صراع التحالفات

تركيا في مرمى النار: الغاز يشعل صراع التحالفات

الحلف الغربي، المكوَّن من الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، قد يختلف أحيانًا في التفاصيل، لكنه يتوحد دائمًا عندما تتعلق الأمور بمصالحه الاستراتيجية الكبرى، وهي مصالح لا تقبل الخلاف أو الجدل. في المرحلة الحالية، تتمثل هذه المصالح في تأمين مسارات جديدة لنقل الغاز إلى أوروبا، خاصة من أذربيجان ومناطق الأكراد في شمالي سوريا والعراق، إضافة إلى إسرائيل، مرورًا بقبرص ومصر، بهدف تقليل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي في ظل تصاعد التوتر مع موسكو.

ضمن هذا الإطار، يتحرك الحلف الغربي لتقليص الدور التركي في شرق المتوسط، من خلال دعم تحالف يوناني- قبرصي - إسرائيلي، وهو ما يُنظر إليه في أنقرة باعتباره محاولة لتطويقها وإبعادها عن مشاريع الطاقة الكبرى. هذا الأسلوب ليس جديدًا، إذ سبق أن واجه الغرب تحالفات إقليمية رآها مهدِّدة لمصالحه، وسعى لإضعافها بوسائل سياسية وأمنية متعددة.

التوتر ازداد في الفترة الأخيرة مع تصاعد لهجة الخطاب الصهيوني، حيث وجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحذيرات مباشرة لإيران وتركيا، مؤكدًا أن بلاده تراقب التحركات الإيرانية ولن تسمح بتحولها إلى تهديد أمني، ما يعكس استعدادًا إسرائيليًا لأي تصعيد محتمل. كما شدد في الوقت نفسه على رفض توسيع النفوذ التركي في سوريا أو غزة أو قبرص، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين أنقرة وطهران، وكيف يمكن للطرفين التعامل مع هذه التهديدات.

تركيا، التي تحاول دائمًا الحفاظ على توازن علاقاتها بين الشرق والغرب، وجدت نفسها أقرب إلى إيران في الآونة الأخيرة، خاصة بعد شعورها بأن إسرائيل والغرب لم يراعوا مصالحها في سوريا وشرق المتوسط. لكن المشهد اليوم أكثر تعقيدًا، فمع اقتراب احتمال مواجهة عسكرية مع إيران، تتزايد الضغوط الغربية على أنقرة، وتُدفع نحو خيارين صعبين: إما القبول بخروج مسارات الغاز من شرق المتوسط عن سيطرتها وتقليص نفوذها الإقليمي، أو الدخول في مرحلة تصعيد سياسي وربما عسكري متزامن مع أي مواجهة ضد إيران.

السبب الرئيسي لتحجيم تركيا يعود إلى موقعها الجغرافي الحساس، فهي تسيطر على شمال قبرص وتمتلك أطول ساحل على شرق المتوسط، ما يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في أي مشروع طاقة في المنطقة من خلال فرض شروطها. ولهذا، يفضّل الغرب تطويقها عبر ساحات نفوذها بدل المواجهة المباشرة.

يظهر ذلك في عدة مناطق؛ ففي اليمن، يُلاحظ الدعم الغربي للمجلس الإنتقالي الجنوبي على حساب القوي الموالية لتركيا بجنوب اليمن وبخاصة في منطقتي حضرموت والمَهْرَة. وفي السودان، يجري إضعاف الحكومة المركزية التي تحتفظ بعلاقات مع أنقرة لحساب ميليشيات الدعم السريع. أما في ليبيا وهي الحلقة الأكثر تعقيداً، فوجود حكومة موالية لتركيا في الغرب الليبي يُعد عائقًا أمام مشاريع الغاز المنافسة علي شط المتوسط المقابل لليبيا وتحديداً في قبرص، ولذلك جري تعزيز قدرات المشير خليفة حفتر العسكرية شرقاً باتفاقية عسكرية مع باكستان لتحجيم الدور التركي ليبياً. وفي سوريا: فالضربات الإسرائيلية علي العشائر السورية القريبة والموالية لتركيا بجنوب سوريا يهدف إلي منع تركيا بالتحكم في مسار الغاز الممتد من شمال شرق سوريا عبر الحسكة والرقة وريف دير الزور ، وصولاً إلي الجنوب السوري بدرعا والسويداء والقنيطرة وريف دمشق الجنوبي، تلك المنطقة المحددة جغرافياً بما يعُرف "بممر داوود". أما في غزة، فهناك محاولات لإقصاء الدورين التركي والإيراني من أي ترتيبات مستقبلية، سواء سياسية أو أمنية.

تتابع هذه التطورات يشير إلى أن تركيا تواجه عملية ضغط متزامنة تهدف إلى تقليص دورها الإقليمي. وفي المستقبل، تبدو أمام خيارين: إما قبول خسائر إقليمية وإعادة ترتيب أوضاعها، أو إعادة النظر في تحالفها مع الغرب والتوجه شرقًا نحو تقارب أكبر مع روسيا وإيران، رغم ما يحمله هذا الخيار من مخاطر وتعقيدات.

لكن، هل ستوافق روسيا علي تحالف تركي؟!، بعدما أضرت تركيا بمصالحها حين وقعت علي اتفاقية مع أذربيجان لتوصيل الغاز لأوروبا في  14مايو 2024، وحين سمحت بمرور السفن الحربية الأوكرانية للبحر الأسود عبر مضيق البسفور لشن هجمات ضد أهداف روسية.

 أي طريق ستسلكه أنقرة، سيكشفه المشهد الإقليمي في وقت قريب.
---------------------------------------
بقلم: د. أحمد عبد العزيز بكير
* أستاذ جامعي في كلية العلوم


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:56
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
21.5°C
توقعات الساعات القادمة
21.5°C
20.6°C
20.0°C
19.5°C
18.8°C
18.3°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,120ج.م
عيار 21
6,230ج.م
عيار 18
5,340ج.م
الجنيه الذهب
49,840ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...