الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 29.2°C
رئيس التحرير مجدي شندي
ترامب ومفارقة الحرب الاقتصادية.. حين يرتدّ الضغط على إيران ضغطاً على الاقتصاد الأميركي

ترامب ومفارقة الحرب الاقتصادية.. حين يرتدّ الضغط على إيران ضغطاً على الاقتصاد الأميركي

يهدّد دونالد ترامب إيران بتصعيد الضغوط الاقتصادية والعقوبات، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي نفسه ارتفاعاً في تكاليف الطاقة والتضخم وضغوطاً متزايدة على معيشة الأسر. فالحرب والتوتر مع إيران ينقلان، عبر سوق الطاقة، جزءاً من كلفة المواجهة مباشرةً إلى الاقتصاد الأميركي.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك سوق الديزل. فقد أظهرت تقارير لـ«رويترز» أن هامش ربح تكرير الديزل في الولايات المتحدة تجاوز، في آب/أغسطس 2026، للمرة الأولى مستوى 100 دولار للبرميل، فيما شكّلت اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط، والحرب مع إيران، والقيود المفروضة على حركة النقل، عوامل رئيسية وراء هذا الارتفاع.

وانعكس هذا الضغط بصورة مباشرة على المزارعين الأميركيين أيضاً. ووفقاً لتقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونغرس الأميركي، دفع المزارعون في الولايات المتحدة خلال موسم الزراعة الربيعي لعام 2026 نحو 1.4 مليار دولار إضافية لشراء الديزل مقارنة بالعام السابق، أي بزيادة بلغت 63 في المئة.

من جهة أخرى، أفادت «رويترز» بأن أسعار البنزين في الولايات المتحدة ارتفعت بنحو 60 في المئة منذ اندلاع الحرب مع إيران، فيما أدت الاضطرابات التي طالت المصافي في الشرق الأوسط ومسارات نقل الطاقة إلى خلق ضغوط تضخمية كبيرة.

وتتناقض هذه المعطيات مع الوعد الانتخابي الذي قطعه ترامب بخفض تكاليف المعيشة وجعل الطاقة أرخص. بل إن تقريراً حديثاً لـ«رويترز» حول المشهد السياسي أمام ترامب أشار إلى أن ارتفاع التضخم وأسعار البنزين تحوّل إلى قضية سياسية بالنسبة إلى إدارته، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

ومن هذه الزاوية، تحمل تصريحات ترامب بشأن أن انتهاء الحرب يمكن أن يؤدي إلى خفض أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة في الولايات المتحدة رسالة استراتيجية مهمة: فإذا كان إنهاء الحرب قادراً على خفض أسعار الطاقة، فإن استمرارها يمكن أن يؤدي، في المقابل، إلى زيادة كلفتها الاقتصادية على المجتمع الأميركي.

كما أن انخفاض أسعار النفط بنحو 7 في المئة بعد إعلان ترامب وقف هجوم كان مخططاً له ضد إيران، أظهر مجدداً مدى حساسية سوق الطاقة تجاه مستوى التوتر بين البلدين.

وعليه، فإن إيران لا تمثّل بالنسبة إلى واشنطن مجرد ملف في الحسابات العسكرية أو الدبلوماسية؛ بل أصبحت، في ظل أزمة الطاقة، أحد المتغيرات المؤثرة في الاقتصاد الأميركي الداخلي. وهنا تحديداً تتحول «القوة الجيوسياسية» إلى «كلفة اقتصادية».

لكن من المهم عدم اختزال جميع المشكلات الاقتصادية الأميركية في العامل الإيراني. فالدين العام الذي يقترب من 40 تريليون دولار، والعجز في الموازنة، والرسوم الجمركية، وارتفاع أسعار الفائدة، والمشكلات البنيوية للاقتصاد الأميركي، كلها عوامل مستقلة. وقد أشار تقرير حديث لـ«فايننشال تايمز» إلى أن تزامن الدين البالغ 40 تريليون دولار مع ارتفاع معدلات فوائد الرهن العقاري وأسعار الوقود، يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الأميركي.

لكن النقطة الاستراتيجية الأساسية تكمن هنا: واشنطن تريد تحويل «الحرب الاقتصادية» إلى أداة ضغط على إيران، في حين أن استمرار المواجهة يمكن أن يعيد جزءاً من كلفتها إلى المستهلك والمزارع والناخب الأميركي.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة حديث ترامب عن انخفاض تكاليف المعيشة بعد انتهاء الحرب بوصفه أكثر من مجرد وعد سياسي؛ فهو، على المستوى الاقتصادي على الأقل، يمثل نوعاً من الإقرار بأن استمرار المواجهة مع إيران له كلفة على الاقتصاد الأميركي أيضاً.

في المحصلة، تتمثل المسألة الأهم بالنسبة إلى طهران في أن «الكلفة التي تُفرض على الطرف المقابل» هي أيضاً جزء من معادلة القوة في الحرب الاقتصادية. وكلما ازداد اعتماد سوق الطاقة والاقتصاد العالمي على استقرار المنطقة، ازدادت قدرة إيران على تحويل موقعها الجيوسياسي إلى ورقة ضغط اقتصادية.

إنها فرصة استثنائية ينبغي للفاعلين السياسيين وأصحاب المنابر في البلاد أن يدركوا قيمتها، وألا يقدّموا للعدو إشارات سلبية تشجعه على مواصلة العدوان. فالولايات المتحدة بحاجة إلى إنهاء الحرب أكثر بكثير من إيران؛ لكنها، من خلال الدعاية والحرب النفسية، تحاول أن تظهر نفسها بمظهر الطرف الأقوى، القادر على خوض الحرب من دون أن يتأثر بمفاعيلها الاقتصادية والسياسية والأمنية.

وهنا تكمن إحدى أهم قواعد الحرب النفسية: ليس المطلوب من واشنطن أن تكون بلا أزمات، بل أن تمنع خصومها من رؤية حجم هذه الأزمات وتأثيرها الحقيقي في القرار الأميركي.
------------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب صحفي وأكاديمي - إيران

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:04
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
29.2°C
توقعات الساعات القادمة
29.2°C
28.5°C
27.5°C
26.5°C
25.8°C
24.6°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,983ج.م
عيار 21
6,110ج.م
عيار 18
5,237ج.م
الجنيه الذهب
48,880ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...