بين بورسعيد وبيروت صلاتٌ لا تنقطع ونقاط تشابهٍ تتجاوز حدود البحر
صدر مؤخرا كتاب "بورسعيد.. من دفتر أحوال الذكريات" للكاتب البورسعيدي هاني عبد العزيز عجيبة، عن دار "مسار"، ويرصد فيه العلاقة ما بين البشر والعمارة، والسفر بين بورسعيد وبيروت. وفي حوار معه لـ "المشهد" يقول عجيبة إنه نشأ في مدينة بورسعيد، وارتبط تكوينه بالبحر كما ارتبطت بورسعيد بـقناة السويس، فترك البحر أثرًا عميقًا في نفسه وشكّل وجدانه. ويضيف: "شجعتني إقامتي مع جدتي لأمي في شاليه، على التوجه إلى الشاطئ يوميًا في الصباح الباكر وقبل الغروب، صيفًا وشتاءً، لعشقي للبحر في كل أحواله".
ويتذكر أنه في أحد الأيام الشتوية كان يقف كعادته على الشاطئ، يشاهد الصيادين في الصباح الباكر، ويطيل النظر إلى مياه البحر التي تتلاقى بزرقة السماء في الأفق البعيد، ويراقب حركة السفن وهي تمضي رويدًا رويدًا حتى تختفي في طريقها إلى عالمٍ آخر، تاركةً خلفها أثر أمواج من الحنين، فأُبحر بخياله عبر تلك الأمواج نحو الشاطئ الآخر، متأمّلا وكله أسى، شواطئ فلسطين المحتلة، وأطال النظر حتى بلغ مدينة بيروت الساحرة. وهكذا المدن تبدو كأنها تتبادل النداء عبر الأمواج. فرّق بينها البحر جغرافيًا، لكنها بقيت متصلةً بخيوط خفية نسجتها روابط الدين واللغة والتاريخ والتراث المشترك.
بورسعيد - بيروت
كلتاهما مدينتان ساحليتان تطلان على شرق البحر المتوسط، وكلاهما من أهم الموانئ الرئيسية في حوض البحر المتوسط، ويشكّلان نقطةً تلاقي لخطوط الملاحة البحرية، ومدرَجان على جدول الرحلات السياحية. وقد عانت المدينتان آثار الدمار والحروب، غير أنهما حملتا في الوقت ذاته روح الصمود والمقاومة؛ فكانت بورسعيد رمزًا للمقاومة الشعبية في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وعاشت في مواجهات سياسية وعسكرية لكونها إحدى البوابات الإستراتيجية لمصر فكانت على موعد مع عدوان الأعوام 1956، 1967، 1973، وشهدت مياهها الإقليمية المطلة علي البحر المتوسط إغراق المدمرة إيلات في عمل بطولي عقب هزيمة 1967، والذي سبقه تصديها للغزاة من قبل القوات البحرية في موقعة (رأس العش).
بينما شهدت بيروت فصولًا قاسية من الحرب والدمار المتكرر، كان أبرزها الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، والذي لم تتوقف بعده اجتياحات العدو نفسه على الضاحية الجنوبية. ويجمع بين المدينتين الانتماء إلى تيار القومية العربية الذي تزعمه الرئيس جمال عبد الناصر، وظل صدى تلك الأفكار حاضرًا في وجدان المدينتين حتى الأن. أما ثقافيًا، فبيروت فـي ذهن كلّ عربيّ مرجع للفنّ والأدب والطباعة والنشر. وقد حملت كلتا المدينتين روح الانفتاح والتعدد، وتشكلت فيهما ثقافة ذات طابع كوزموبوليتاني صنعتها حركة الموانئ، وتعدد الجنسيات، وتلاقي الحضارات. وقد حملت بورسعيد الصفات والسمات الحقيقية لجوهر وصبغة المدن الكوزموبوليتانية العريقة عربيا وعالميا. ولم لا وهي أحدث المدن التي أنشئت وأسست في مصر المعاصرة فصارت هي المدينة الاستثناء..

حلقة وصل وطوق نجاة
بعد القطيعة العربية لمصر عقب اتفاقية كامب ديفيد، تأثّر التنقل البحري سلبًا فيما يخص سواحل شاطئ المتوسط، ولم يكن هناك طريق مفتوح إلا عبر ميناء بورسعيد. ويذكر الفنان نور الشريف فى حديث لإذاعة سورية أنه لم يجد ميناءً حراً يستقبله وقت المقاطعة العربية لمصر فى العام 1978، 1979 غير ميناء بورسعيد الذي قصده فى مركب سياحي قادماً من ميناء. أو مرفأ (بيروت). وقد عبر عن ذلك في مذكراته المؤرخ والمفكر اللبناني ذو الأصول الفلسطينية نيقولا زيادة، بقوله إنه استقل باخرة سياحية من ميناء حيفا إلى ميناء بورسعيد مباشرة فى نهاية العام 1947 ليودع الأجواء المصرية متجهاً إلى العاصمة البريطانية لندن لاستكمال دراسته.
وقد أطلقت الجمهورية اللبنانية اسم "بورسعيد" على أحد شوارع بيروت، وأيضا أحد شوارع مدينة طرابلس، تقديرا لبسالة وصمود شعب بورسعيد أمام العدوان الثلاثي عام 1956م، كما أطلقت بورسعيد اسم لبنان على أحد أهم ميادينها؛ وكأن المدينتين تركت كلٌّ منهما أثرًا في الأخرى، وكأن البحر المتوسط كتب بينهما صلةً خفية لا تنقطع.
أبجدية البحر والحرب
(بورسعيد - بيروت .. أبجدية البحر والحرب)، عنوان كتاب صدر عن مركز الحضارة العربية – بمنحة من المورد الثقافي2011 للأديب البورسعيدى الراحل محمد إسماعيل الأقطش، وقد رصد خلال زيارته لبيروت أوجه التشابه بين المدينتين فيما يخص العمارة؛ ففي مناطق بيروت، مثل الحمرا وبعلبك، وفي حي الأفرنج في بورسعيد، مثل شارع الجمهورية وشارع فلسطين، حيث شُيدت المباني على الطرز البلجيكية والإيطالية والفرنسية، مطعمةً بعناصر الطراز الإسلامي.
وكما للحب أغاني، فللحرب أيضا أغاني، "يا محمّلين العنب .. تحت العنب تفاح"، ذلك المقطع الذي ورد في واحدة من أشهر أغاني فلكلور السمسمية في بورسعيد. عندما سمعت تلك الكلمات للوهلة الأولى تساءلت في نفسي: ماذا تعني هذه الكلمات؟ وما السر وراء وضع التفاح تحت العنب؟ وما أصل تلك الحكاية؟ قادني البحث إلى أن هذه الكلمات مشتقة من أغنية الروزانا الشهيرة، والتي ذاعت منذ بدايات القرن العشرين، ولا سيما في لبنان وحلب. وتشير الرواية المتداولة إلى أن عبارة (تحت العنب تفاح) ترمز إلى عملية إخفاء التفاح تحت العنب أثناء نقله وتهريبه من جبل لبنان إلى حلب (عاصمة التجارة في بلاد الشام)، بعد صدور قرار من السلطات العثمانية بمنع تصدير محصول التفاح خلال سنوات الحرب العالمية الأولى (1914–1918)، كما مُنع تصدير القمح إليها في ظل الحصار الذي فرضه الحلفاء على السواحل الشامية لمنع وصول السفن العثمانية.
وأدى ذلك إلى المجاعة الكبرى التي ضربت بلاد الشام ابتداءً من عام 1915. حيث لجأت الدولة العثمانية إلى جمع المحاصيل الزراعية، وخاصة القمح، لصالح الجيش خلال الحرب، نظرًا لإمكانية نقله لمسافات طويلة، كما أدى تجنيد الشباب إلى نقص كبير في اليد العاملة الزراعية. وزادت الكارثة مع موجات الجراد التي التهمت جزءًا من المحاصيل، فحلّت مجاعة واسعة في بلاد الشام عمومًا، وكانت أشد قسوة في لبنان، فيما عُرف تاريخيًا بـ مجاعة جبل لبنان. فلجأ تجار بيروت إلى طلب استيراد القمح من إيطاليا، التي كانت ما تزال على الحياد. وبالفعل وصلت السفينة "روزانا" إلى بيروت، لكنها لم تسلّم حمولتها لتجار بيروت، لإعلان إيطاليا دخولها الحرب إلى جانب الحلفاء في مايو 1915، والتزمت بفرض الحصار على السواحل الشامية.
وهنا أقدم تجار حلب، بدافع الأخوة، على امداد لبنان بالقمح اللازم، رغم ندرته في الشام عموماً، والمخاطرة بتهريبه.. واستلام محصول التفاح كبديل عنه تهريبا Hيضا.. مع إخفائه تحت العنب. وانتقلت تلك الكلمات مع البحارة الوافدين من الشام إلى ميناء إلى بورسعيد، وتحولت مع الزمن إلى فلكلور شعبي يتغنى به عشاق السمسمية.
-----------------------------
...
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري