بين العلم وصناعة الصورة.. كيف خسر الأطباء معركة الظهور؟
أصبحت الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي المصدر الأول للمعلومات لدى ملايين الناس، لم يعد التفوق العلمي وحده كافيًا للوصول إلى الجمهور، ولم تعد سنوات الدراسة والخبرة الطويلة هي المعيار الوحيد الذي يحكم من خلاله الناس على أصحاب التخصصات المختلفة، خاصة في المجال الطبي.
قبل سنوات، كان الطبيب يبني مكانته على العلم والخبرة والسمعة الطيبة بين المرضى، كان حضوره الحقيقي داخل المستشفى أو العيادة أو قاعات البحث العلمي.
أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة إلى حد كبير، وأصبح كثير من الناس يحكمون على ما يرونه أكثر مما يحكمون على ما يعرفونه.
كان الطبيب يظهر أمام الكاميرا بملامح أنهكها العمل، وعينين حملتا آثار السهر والمناوبات الطويلة، ولسان مشغول بلغة العلم والدراسات والأبحاث والمراجع الطبية.
كان يتحدث بمصطلحات دقيقة ومنهجية علمية صارمة، لكنها قد تبدو معقدة أو بعيدة عن فهم قطاع واسع من الجمهور.
وفي المقابل، ظهر آخرون يجيدون صناعة الصورة أكثر مما يجيدون ممارسة الطب أو الحديث العلمي الرصين، وجوه مشرقة، وكلمات منتقاة بعناية وأصوات واثقة وحضور إعلامي صُمم باحتراف.
فيديوهات قصيرة جذابة، ورسائل مبسطة، ووعود براقة تخاطب المشاعر قبل العقول، وتبيع الأمل السريع قبل أن تقدم الحقيقة الكاملة.
وبينما كان الطبيب الحقيقي يشرح طبيعة المرض وأسبابه ومضاعفاته واحتمالات العلاج وفقًا للعلم، كان هؤلاء يقدمون حلولًا سهلة ووصفات سحرية وإجابات جاهزة لكل الأسئلة المعقدة.
وفي عالم يميل بطبيعته إلى البحث عن الطريق الأقصر، تبدو هذه الرسائل أكثر جاذبية وانتشارًا.
لقد ساهمت طبيعة وسائل التواصل الحديثة في ترسيخ هذه الظاهرة.
فالمحتوى السريع والمختصر أصبح أكثر قدرة على الانتشار من الشرح العلمي المتزن.
والمشهد البصري الجذاب أصبح أكثر تأثيرًا من المعلومة الدقيقة.
ومع مرور الوقت، بات كثير من المتابعين يخلطون بين القدرة على الإقناع والقدرة على المعرفة، وبين الشهرة والكفاءة، وبين عدد المشاهدات وحجم الخبرة.
والحقيقة أن عامة الناس لا يرون سنوات الدراسة الطويلة التي قضاها الطبيب في كليات الطب والمستشفيات، ولا يطالعون الأبحاث العلمية التي يستند إليها، ولا يمتلكون دائمًا أدوات التحقق من صحة المعلومات الطبية المتداولة.
ما يرونه غالبًا هو شخص يتحدث بثقة، يبدو ناجحًا، ويقول لهم ما يرغبون في سماعه، لا بالضرورة ما يحتاجون إلى معرفته.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية..
فليس كل من أتقن الظهور يمتلك العلم، وليس كل من امتلك العلم أتقن الظهور. وبين عالم منشغل بالبحث والعمل وخدمة مرضاه، وشخص آخر يتقن التسويق لنفسه وصناعة المحتوى الجذاب، كثيرًا ما يخسر العلم الجولة الأولى في معركة الانتباه.
لكن التاريخ أثبت دائمًا أن الصورة قد تخدع لبعض الوقت، أما الحقيقة فتبقى قادرة على كشف الفارق بين صاحب المعرفة الحقيقية وصاحب الوهم مهما طال الزمن.
ويبقى التحدي الأكبر أمام المؤسسات العلمية والطبية هو كيفية إيصال المعرفة الصحيحة إلى الناس بلغة يفهمونها، دون التخلي عن الدقة أو الوقوع في فخ التضليل.
فالمعركة اليوم لم تعد بين طبيب ومحتال فقط، بل أصبحت معركة بين العلم وصناعة الصورة، وبين الحقيقة والوهم، وبين المعرفة الرصينة والمحتوى السريع الذي قد يجذب الانتباه لكنه لا يصنع وعيًا.
------------------------------------
بقلم: أحمد صلاح سلمان
*صحفي متخصص في ملف الصحة
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها
شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري