الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 26.9°C
رئيس التحرير مجدي شندي
بين الردع والمخاطرة: قراءة في حسابات الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز

بين الردع والمخاطرة: قراءة في حسابات الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز

الإعلان الإيراني الأخير عن إغلاق مضيق هرمز، بالتزامن مع تقارير "وكالة عمليات التجارة البحرية البريطانية" عن تلقي سفن إشعارات مماثلة، يضع المنطقة أمام أخطر اختبار جيوسياسي منذ سنوات؛ فالمضيق الذي يمر عبره قرابة خُمس إنتاج النفط العالمي ليس مجرد ممر مائي ضيق، بل واحدا من أهم شرايين الطاقة في الاقتصاد العالمي، وهو أيضا أحد أدوات الضغط الاستراتيجية الأكثر حساسية في يد طهران. وفي سياق التصعيد العسكري الجاري حاليا بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يعود المضيق إلى قلب المعادلة؛ هل نحن أمام تفعيل فعلي لـ"سلاح الجغرافيا" الإيراني، أم أمام خطوة ردع محسوبة تهدف إلى رفع كلفة الحرب دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة؟

يقع مضيق هرمز بين السواحل الجنوبية لإيران وسلطنة عُمان، ويبلغ عرضه عند المدخل والمخرج نحو 50 كيلومترًا، بينما تضيق أوسع نقاطه في المنتصف إلى قرابة 40 كيلومترًا. غير أن الأهمية الحقيقية للمضيق لا تكمن في اتساعه الظاهري، بل في طبيعته الملاحية الدقيقة؛ إذ إن الجزء الأوسط منه هو الوحيد العميق بما يكفي لعبور السفن العملاقة، ولا سيما ناقلات النفط العملاقة. ووفق خرائط الملاحة الدولية، جرى تحديد مسارات دخول وخروج ضيقة وآمنة، تتخللها منطقة عازلة مخصصة لناقلات النفط الثقيلة، بحيث لا يتجاوز عرض القناة الفعلية التي تبحر عبرها السفن الكبيرة نحو 10 كيلومترات فقط. وخلال عبورها الخليج، تقترب هذه الناقلات من جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، وهما منطقتان متنازع عليهما بين إيران وعدد من الدول العربية، ما يضفي بُعدًا سياسيًا إضافيًا على الحساسية الأمنية للممر.

وفي الإجمال، يمر عبر مضيق هرمز، أكثر من 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات والوقود، أي ما يقارب 600 مليار دولار سنويًا من تجارة الطاقة المنقولة بحرًا، كما يعتمد عليه كبار منتجي الطاقة في الخليج، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والعراق، لتصدير الجزء الأكبر من إنتاجهم، لا سيما إلى الأسواق الآسيوية وأبرزها في الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، والتي تمثل مجتمعة الكتلة الأكثر اعتمادًا على هذا المسار البحري.

بالمقابل، تبدو الولايات المتحدة أقل تعرضًا مباشرًا للصدمة، إذ لا تتجاوز وارداتها عبر المضيق 500 ألف برميل يوميا، بما يمثل نحو 2% من إجمالي استهلاك النفط بالولايات المتحدة، في ظل تنامي الإنتاج المحلي وزيادة الواردات من كندا، الأمر الذي يكشف عن مفارقة مهمة، وهي أن إغلاق المضيق سيصيب حلفاء إيران التجاريين، وعلى رأسهم الصين، أكثر مما سيصيب الولايات المتحدة مباشرة.

لكن يبقى السؤال: هل تملك إيران القدرة الفعلية على الإغلاق؟، هنا يمكن القول إن إيران تمتلك – بالفعل – القدرة على التأثير العسكري في حركة المضيق من خلال زرع ألغام بحرية عبر زوارق سريعة أو غواصات، واستخدام صواريخ مضادة للسفن، وشن هجمات عبر زوارق هجومية تابعة للبحرية والحرس الثوري، بالإضافة إلى استهداف السفن التجارية أو العسكرية بشكل انتقائي، وهو ما فعلته إيران تاريخيا خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، حينما تسبب ذلك في فرض ضغوط خانقة وأعباء ثقيلة كان أهمها رفع أقسام التأمين على شركات الشحن العالمية، خلق اختناقات بحرية مكلفة.

غير أنه، ومع الحضور العسكري الأمريكي المكثف اليوم، يبدو الأمر مختلفا بعض الشيء، فواشنطن تحتفظ بقدرات بحرية وجوية كفيلة بفتح الممر بالقوة خلال فترة قصيرة نسبيًا، وإن كان ذلك سيعني تصعيدًا عسكريًا مباشرًا وخطيرًا. لكن التقدير العام يؤكد إمكانية طهران تعطيل الملاحة مؤقتا لكنها لا تستطيع فرض إغلاق طويل الأمد دون أن تواجه ردًا عسكريًا واسعًا.

بشكل عام، يعد التلويح بإغلاق المضيق أحد مؤشرات عقيدة الردع الجغرافية، أو "غير النووية"، بما يعني استخدام الموقع الجغرافي كسلاحٍ موازٍ في تأثيره الرمزي لسلاح استراتيجي. لكن هنا تبرز إشكالية مزدوجة فمن ناحية يمكن أن يضرب الإغلاق الاقتصاد إيراني ذاته كونه يعتمد على تصدير النفط من خلاله، كما ينعكس ذلك بالسلب على الاقتصاد الصيني الذي يستحوذ على غالبية صادرات إيران النفطية (حوالي 90%)، ما يعني أن المضيق يمثل شريانا حيويا للاقتصاد الإيراني في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها، وربما تعارض الصين غلق المضيق حيث لاسيما مع ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب طرق الشحن، بل ويتوقع أن تستخدم بكين ثقلها الدبلوماسي لمنع أي تصعيد طويل في المضيق. والغاية هنا أن استخدام هذه الورقة إلى أقصاها قد يعني خسارة إيران لأحد أهم داعميها الاقتصاديين.

دول الخليج، وعلى مدى السنوات الماضية سعت لتطوير مسارات بديلة لمضيق هرمز، مثل خط أنابيب "شرق – غرب" السعودي، الذي تصل طاقته لـ 5 ملايين برميل يوميًا، وخط أنابيب إماراتي الذي يربط الحقول الداخلية بميناء الفجيرة بطاقة 1.5 مليون برميل، خط "غوره – جاسك" الإيراني الذي يهدف إلى تصدير النفط عبر خليج عمان. لكن حتى مع هذه البدائل، لا يمكن تعويض كامل الكميات التي تمر عبر المضيق، فأقصى ما يمكن تجاوزه عبر الخطوط البديلة قد يصل لـ 2.6 مليون برميل يوميًا، أي أقل بكثير من الحجم الكلي، أي أن أي تعطيل واسع سيُحدث صدمة سعرية فورية، حتى لو استمرت الإمدادات جزئيًا.

بشكل عام، وفي ضوء المواجهة العسكرية المفتوحة الدائرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة ومن خلفهما دول الخليج، فإن حسابات مضيق قد بل باتت جزءًا من مسرح عمليات قائم فعليًا وهو ما يتأرجح بين مسارات مستقبلية رئيسية أولها هو "التعطيل العسكري المنضبط"؛ بما يعني التصعيد المحسوب داخل نطاق المواجهة الجارية، عبر استهداف انتقائي لسفن مرتبطة بالولايات المتحدة. أما السيناريو الثاني فيتمثل في التعطيل المؤقت واسع النطاق من خلال زرع ألغام بحرية أو تنفيذ هجمات متكررة تؤدي إلى وقف الملاحة لأيام أو أسابيع. غير أن هذا الخيار يستدعي، في الغالب، تدخلًا عسكريًا دوليًا سريعًا لإعادة فتح الممر، ما يعني مخاطرة بتوسيع رقعة الاشتباك بما ينعكس بمخاطر حادة على الاقتصاد العالمي.

أخيرًا، فإن إغلاق مضيق هرمز ليس قرارًا عسكريًا فحسب، بل قرار اقتصادي ودبلوماسي معقد. إنه سلاح يمكن استخدامه مرة واحدة بكلفة هائلة، فإذا مضت إيران في إغلاق فعلي طويل، فإنها تخاطر بخسارة أسواقها الآسيوية ودفع المجتمع الدولي إلى اصطفاف أوسع ضدها. أما إذا اكتفت بالتصعيد الرمزي، فستحافظ على ورقة الردع دون حرقها ليبقى السؤال المركزي ليس هل تستطيع إيران إغلاق المضيق؟ بل إلى أي مدى تستطيع إيران تحمل الكلفة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية لهذا الإغلاق؟.
-------------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد *
* باحث في شؤون الشرق الأوسط وسياسات الهوية

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة06:11
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
26.9°C
توقعات الساعات القادمة
26.9°C
26.9°C
26.6°C
26.0°C
25.2°C
24.2°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة

السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

مهام البناء على المتاح

من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...