الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 19.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
بنغلاديش: صفحة مشرقة في سجل الإسلام بجنوب آسيا

بنغلاديش: صفحة مشرقة في سجل الإسلام بجنوب آسيا

تجلى تاريخ الإسلام في الفضاء الرحب لجنوب آسيا مسارا ثريا بالتحولات، زاخرا بألوان التجربة الإنسانية والروحية، حتى غدا أحد أبرز الملامح الحضارية في هذه الرقعة من العالم. وعلى الرغم من امتداد الإسلام في أقطار متعددة من هذه المنطقة، فإن حضوره في بنغلاديش يكتسي طابعا أكثر رسوخا وعمقا وشمولا، إذ لم يبق محصورا في حدود الانتماء الديني، بل تجاوزه ليغدو روحا سارية في مفاصل الحياة كلها، من وجدان الفرد إلى بنية المجتمع، ومن أنساق الثقافة إلى منظومة القيم، بل إلى الإطار العام للدولة. وهكذا أضحت بنغلاديش بأغلبيتها المسلمة نموذجا متفردا لتجلي الإسلام في صورته السلمية، وإشعاعه الإنساني، وقدرته على بناء مجتمع متماسك. ومن ثم، فإن وصفها بفصل مشرق من فصول الإسلام في جنوب آسيا ليس إلا تعبيرا عن حقيقة تاريخية ناصعة.

ولم يكن دخول الإسلام إلى هذه البلاد وليد صدام أو ثمرة غلبة، بل جاء في ثوب وديع يحمل ملامح الطمأنينة والسكينة. فقد كانت سواحل البنغال منذ القرن الثامن الميلادي مسرحا لوصول التجار العرب الذين لم يحملوا معهم بضائعهم فحسب، بل حملوا قبل ذلك أخلاق الإسلام ومثله العليا. فكان صدقهم في المعاملة، وعدلهم في الميزان، ونقاء سريرتهم، دعوة صامتة لكنها بالغة التأثير. ومع امتداد الزمن أخذت هذه القيم تنفذ إلى القلوب، وتغرس بذور الإيمان في النفوس حتى تهيأت الأرض لاستقبال رسالة الإسلام في أفق أرحب.

ثم أقبل المتصوفة فكانوا جسورا بين التعاليم السماوية والواقع الإنساني، يحملون الإسلام في سلوكهم قبل أقوالهم، ويجسدونه في أخلاقهم قبل مواعظهم. لم يخاطبوا الناس بحدة الجدل، بل بلطف القدوة، ولم يستميلوا العقول بالقهر، بل استنطقوا القلوب بالمحبة. فكانوا نماذج حية لمعاني الرحمة والإنصاف والتواضع الأمر الذي جعل دعوتهم أقرب إلى الفطرة، وأشد وقعا في النفوس. وقد سطع في هذا السياق ذكر أعلام بارزين من أمثال شاه جلال، وشاه مخدوم روبوش، وخان جهان علي، الذين نشروا نور الإسلام في أرجاء البنغال، فكانوا مشاعل هداية، وأعمدة إصلاح.

وما يلفت النظر في هذه التجربة أن انتشار الإسلام لم يكن ثمرة إكراه أو ضغط، بل جاء نتيجة انجذاب صادق إلى قيمه السامية. فقد لمس الناس في تعاليمه عدلا يرفع عنهم وطأة التمييز، ومساواة ترد إليهم اعتبارهم الإنساني، ورحمة تداوي جراحهم الاجتماعية. وهكذا أقبلوا عليه طواعية، ورأوا فيه ملاذا روحيا ونظاما حياتيا يحقق لهم التوازن بين الدنيا والآخرة. ومن هنا ترسخ الإسلام في بنغلاديش لا كعقيدة فحسب، بل كهوية حضارية متكاملة تنبض بالحياة، وتفيض بالمعنى.

كان لمبادئ العدل الاجتماعي والمساواة التي جاء بها الإسلام أثر بالغ في ترسيخ جذوره في بنغلاديش، إذ وافقت هذه القيم توقا دفينا في وجدان المجتمع إلى الإنصاف ورفع الحيف. فقد عرفت هذه البلاد في أطوارها التاريخية ألوانا من التفاوت الطبقي والتمييز الاجتماعي، فجاء الإسلام ليعيد رسم ملامح العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان معلنا في وضوح جلي أن البشر جميعا من خلق إله واحد، وأن كرامتهم مصونة لا تفاضل فيها إلا بميزان التقوى والعمل الصالح. وكان لهذا النداء صداه العميق في نفوس الفئات المهمشة والمحرومة، فوجدت فيه عزاء لآلامها، وبابا للخلاص من واقعها المثقل بالتمييز، فأقبلت عليه بقلوب مطمئنة، ورأت فيه سبيلا إلى استعادة إنسانيتها. وهكذا ترسخ الإسلام في هذه الأرض لا بوصفه عقيدة تعتنق فحسب، بل باعتباره مشروعا للتحرر الاجتماعي، ومنظومة تعيد للإنسان توازنه وكرامته.

ولم يلبث أثر الإسلام أن تسرب إلى وجدان الثقافة البنغلاديشية، فصبغ ملامحها بصبغته، وأضفى عليها من روحه عمقا وثراء. فقد انعكست تعاليمه في اللغة والأدب والفنون، فغدت الكلمة حاملة لرسائل الإيمان، وصار الأدب مرآة تعكس السيرة النبوية وقصص الأنبياء وتجليات الروح. وفي العصور الوسطى برز الشعراء المسلمون الذين صاغوا هذه المعاني في قوالب أدبية رفيعة تمزج بين جمال التعبير وسمو الفكرة. أما العمارة فقد شهدت بدورها حضورا إسلاميا مميزا حيث ارتفعت المساجد والمدارس والخانقاوات شاهدة على امتزاج الفن بالعبادة، والجمال بالسكينة. ويقف مسجد الستين قبة في باغرهات إلى جانب آثار غاور وباندوا، شاهدا ناطقا على هذا الإرث الحضاري الذي يجمع بين الإبداع الفني والروحانية العميقة.

وفي نسيج المجتمع يتجلى الإسلام حضورا حيا ينساب في تفاصيل الحياة اليومية، موجها السلوك، ومهذبا العلاقات، وموحدا القلوب. فليست الصلاة والصيام والزكاة والحج مجرد شعائر تؤدى، بل هي معارج ترتقي بالإنسان، وجسور تمتد بين أفراده لتوثيق عرى المحبة والتكافل. ويبلغ هذا المعنى ذروته في شهر رمضان حين تتنزل السكينة على القلوب، وتمد موائد الإفطار كأيد رحمة تجمع الغني والفقير في مشهد إنساني بديع، وتتعاظم أعمال البر والإحسان، فتشتد أواصر الأخوة وتصفو النفوس. كما تأتي الأعياد، عيد الفطر وعيد الأضحى، لتكون مواسم للفرح الجماعي، تتجدد فيها معاني الوحدة والتراحم، ويشعر فيها المجتمع بأنه جسد واحد تتناغم فيه القلوب كما تتعانق الأرواح.

في المجتمع الريفي البنغلاديشي تتبوأ المساجد منزلة القلب النابض الذي تتجمع عنده شرايين الحياة، فلا ترى مجرد مواضع للسجود، بل منارات إشعاع تربوي واجتماعي تنبثق منها معاني الهداية، وتنسج في رحابها خيوط الألفة والوئام. ففي ظلالها يتعلم الناس، ويتشاورون، ويستضيئون بأنوار الحكمة في معالجة شؤونهم، فتغدو فضاء حيا تتلاقى فيه الروح بالواقع، والدين بالحياة. ويقف الأئمة والعلماء في مقدمة هذا المشهد، يؤدون رسالة التوجيه والإرشاد، فيقومون السلوك، ويهذبون النفوس، ويسهمون في ترسيخ النظام الأخلاقي والاجتماعي. وعلى هذا النسق يواصل التعليم الديني عبر المدارس والمعاهد الإسلامية، أداء دوره في صيانة الهوية، وغرس معاني الإيمان في وجدان الأجيال حتى ينشأ جيل يستمد من دينه بصيرته، ومن علمه وعيه، فيجمع بين الأصالة والفاعلية.

أما على مستوى الدولة، فإن حضور الإسلام يتجلى بوصفه أحد المكونات الجوهرية للهوية الوطنية حيث أقره الدستور دينا للدولة في تعبير عن وجدان الأغلبية وتاريخها. غير أن هذا الحضور لم يتحول إلى أداة إقصاء، بل ظل منسجما مع طبيعة المجتمع التعددي الذي يفسح المجال لمختلف الأديان أن تعيش في كنف الاحترام والضمان. وبهذا التوازن الدقيق، تتكرس معاني التعايش، وتترسخ دعائم السلم الأهلي. كما تظل القيم الإسلامية بما تنطوي عليه من عدل ورحمة وتكافل، مرجعية أخلاقية عليا، تستلهمها السياسات العامة، فتضفي على العمل المؤسسي بعدا إنسانيا يرقى به عن ضيق المصالح إلى سعة المقاصد.

وفي الحقل الاقتصادي، أخذت روح الإسلام تتجسد في نماذج عملية تسعى إلى تحقيق العدالة، وتخفيف وطأة الاستغلال، من خلال أنماط تمويلية تقوم على تقاسم المخاطر، وتجنب الربا، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية. فبرزت المصارف الإسلامية كمعلم بارز في المشهد الاقتصادي، وأسهمت أدوات كالزكاة والوقف والصدقات في إعادة توزيع الثروة، ورعاية الفئات الهشة، وتقليص الفوارق الاجتماعية. وهكذا يغدو الاقتصاد الإسلامي في بنغلاديش تجربة حية تمزج بين القيم والمصالح، وتسهم في بناء تنمية أكثر توازنا وإنصافا.

وفي ميادين التعليم والتنمية الاجتماعية، تتواصل القيم الإسلامية في أداء دورها التكويني، حيث تنشئ في الإنسان معاني الأمانة، وتغرس فيه روح المسؤولية، وتدعوه إلى التعاون والتكافل. وقد انبثقت عن هذه القيم مؤسسات خيرية واجتماعية حملت على عاتقها خدمة المجتمع، فامتدت أعمالها إلى مجالات التعليم والصحة والرعاية، وساهمت في رفع المعاناة عن الفئات المستضعفة، وتعزيز مقومات التنمية المستدامة. وبهذا يتكامل البعد القيمي مع البعد العملي ليصوغ مجتمعا تتآزر فيه الجهود، وتتكافل فيه الأيدي.

غير أن هذه المسيرة المضيئة لا تخلو من تحديات يفرضها تسارع العصر وتحولاته. فرياح العولمة بما تحمله من أفكار وأنماط حياة تضع المجتمع أمام اختبار التوازن بين أصالته ومتطلبات الحداثة، ولا سيما في أوساط الشباب الذين يقفون على تخوم هذا التحول. كما يظل خطر الغلو وسوء الفهم قائما، حين ينتزع الدين من مقاصده، ويحصر في تأويلات ضيقة تشوه صورته وتناقض جوهره الرحب. ومن هنا تتأكد الحاجة إلى خطاب علمي رصين يعيد إبراز الإسلام في صورته المتكاملة، دينا يجمع بين العقل والروح، وبين الثبات والتجدد.

وفي هذا السياق، تتعاظم مسؤولية العلماء والمفكرين والمربين، الذين يحملون أمانة البيان والتوجيه، فيقدمون للناس فهما ناضجا يربط بين النص والواقع، ويوازن بين التراث والمعاصرة. كما يقتضي الأمر تطوير المنظومة التعليمية لتكون قادرة على الجمع بين العلوم الشرعية والمعارف الحديثة حتى ينشأ جيل واع بهويته، منفتح على عصره، وقادر على الإسهام في نهضة مجتمعه.

وعلى الصعيد الدولي تقف بنغلاديش شاهدا حيا على إمكانية التلاقي بين التدين والاعتدال، بين الانتماء والانفتاح. فهي تقدم صورة لمجتمع مسلم لم يفقد إنسانيته، ولم ينغلق على ذاته، بل ظل وفيا لقيمه، منفتحا على غيره، مشاركا في الحوار الحضاري. وهذا ما يجعل تجربتها ذات دلالة خاصة في عالم يزداد فيه الاحتياج إلى نماذج تجسد الإسلام في أبهى صوره.

وخلاصة القول، إن بنغلاديش تجسد بحق فصلا مشرقا من فصول الإسلام في جنوب آسيا، حيث يظل هذا الدين قوة حية تبني الإنسان، وتهذب المجتمع، وتوجه المسار نحو معاني العدل والرحمة والتكافل. وما هذا الإرث إلا زاد متجدد، يمد الحاضر بطاقة من المعنى، ويهدي المستقبل إلى آفاق من النور ليظل الإسلام في جوهره رسالة حياة، ومشعل هداية لا يخبو.
---------------------------------------
بقلم: أحمد شوقي عفيفي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:37
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
19.8°C
توقعات الساعات القادمة
19.8°C
19.2°C
18.8°C
18.5°C
18.6°C
18.6°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

مهام البناء على المتاح

من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...