بطلان القائمة المطلقة والتعديل المزعوم للدستور
في السياسة المصرية، لا شيء يمرّ باعتباره «تصريحًا عابرًا»، خاصة عندما يصدر عن الدكتور السيد البدوي شحاتة، رئيس حزب الوفد، عقب فوزه برئاسة الحزب في الانتخابات الأخيرة. فالتصريحات هنا لا تكون مجرد رأي في نظام انتخابي، بقدر ما تبدو سيناريو سياسيًا كاملًا مكتوبًا بعناية، يبدأ بجملة إصلاحية، وينتهي باقتراح يهزّ قواعد اللعبة.
يقول الرجل، وبنبرة الواثق، إن البرلمان لن يكون معبّرًا عن الشعب إلا من خلال القائمة النسبية. وحتى هذه النقطة، يبدو الكلام منطقيًا، فالقائمة النسبية مطلب قديم لقوى سياسية كثيرة، وتُطرح دائمًا باعتبارها أكثر عدالة وتمثيلًا للتنوع السياسي. لكن التصريح لا يتوقف عند هذا الحد، بل يقفز قفزة واسعة إلى الإشادة بالرئيس، بوصفه «أقوى رئيس منذ عبد الناصر»، وصاحب الشعبية العريضة القادر وحده على إنجاز الإصلاح السياسي. ثم، وكخاتمة طبيعية لهذا البناء، يطل علينا الحل السحري: تعديل الدستور لانتخاب برلمان جديد بالقوائم النسبية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام تحليل سياسي؟ أم رسالة موجهة بعناية؟ أم محاولة لإعادة تموضع حزب فقد كثيرًا من وزنه في الشارع؟
اللافت في هذا السيناريو أنه يبدأ من نقطة تبدو ديمقراطية، ثم ينتهي عند اقتراح بالغ الحساسية. فحلّ البرلمان وتعديل الدستور ليسا تفصيلين إداريين، ولا يمكن طرحهما كملحق جانبي لفكرة إصلاحية، مهما بلغت وجاهتها. كما أن الحديث عن تعديل الدستور في هذا التوقيت، وبهذه الخفة، يفتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول منطق الأولويات، وحدود الخطاب السياسي، ودور الأحزاب المفترض في ترسيخ الاستقرار، لا القفز فوقه.
والأكثر غرابة أن رئيس حزب ليبرالي له تاريخ طويل، كان يُفترض به الدفاع عن التدرج الديمقراطي والمؤسسية، يقدّم اقتراحًا يبدو أقرب إلى رهان سياسي منه إلى رؤية إصلاح متكاملة. فهل يبدأ الإصلاح السياسي من أعلى، عبر هالة القوة والشعبية، أم من أسفل، عبر بناء حياة حزبية حقيقية، وبرلمان قوي، وقواعد انتخابية مستقرة؟
ثم إن الإشادة بالرئيس، وربط أي إصلاح باسمه وحده، تُضعف الفكرة أكثر مما تقوّيها. فالدول لا تُدار بمنطق «الرئيس القوي فقط»، بل بمنظومة متماسكة، وأحزاب فاعلة، وبرلمان يحاسب، لا برلمان يُعاد تشكيله كلما اختلفنا على طريقة انتخابه.
في النهاية، قد تكون القائمة النسبية خيارًا يستحق النقاش، وقد يكون تطوير النظام الانتخابي ضرورة، لكن تحويل الأمر إلى سيناريو ظريف ببطلان نظام القائمة المطلقة، وحلّ البرلمان، وتعديل الدستور بهذه البساطة، يثير القلق أكثر مما يبعث على التفاؤل. فالسياسة ليست نكتة ذكية، ولا مقالة رأي عابرة، بل مسؤولية ثقيلة تحتاج إلى قدر أكبر من الحكمة، وأقل من الاستعراض.
----------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري