الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 القاهرة 27.9°C
رئيس التحرير مجدي شندي
بدل الشهرة وإلا الإخصاء!

بدل الشهرة وإلا الإخصاء!

الشكل النهائي للصحيفة الورقية، التي يتلقفها القارئ؛ ليقرأ لكبار الكتاب، ويُتابع عن كثب الأخبار أولا بأول، وراءه جهدٌ كبير لأناسٍ هم الجندي المجهول، الذي يحمل في المعركة كفنَه على يديه، ويجود بالنفس والنفيس من أجل النصر، الذي ما إن يتحقق، يأتي كبارُ المسؤولين؛ ليأخذوا اللقطة الأخيرة، وكأنهم هم صانعوه وحدهم!

لا أقصد أبدا تهميش دور القائد في أي مؤسسة أو عمل، ولكني أؤكد، أنّ أيَّ مسؤول وراءه كتيبة طويلة عريضة، تصل الليل بالنهار، وتبذل أقصى ما في وسعها لنجاح العمل أيا كان.

وليس من نافلة القول، أنّ مهنة الصحافة من المهن، التي تتعدد فيها المهام، وتتوزع الأدوار، ويساعد الصحفي، الذي يبدو في الصحيفة، وكأنه (السوبرمان) العديدُ من المعاونين، بدءا من مسؤول الجمع، الذي يجيد التعامل مع (الكيبورد)، ومبادئ (الوورد)، والذي يقوم بكتابة ما يُرسله المحرر بخط يده على الحاسوب، وهناك مسؤول (الماكنتوش)، المسؤول عن التنفيذ، والذي يساعد سكرتير التحرير في الإخراج الفني للصحيفة، إضافة، إلى فني المطبعة، وعامل النظافة، ومسؤول (البوفيه) وغيرهم، وللجميع دورٌ مهم لا يمكن بحال الاستغناء عنه. ومن بين هؤلاء الجنود المجهولة (المحرر المراجع)، ويكون من خريجي أقسام اللغة العربية، والذي يراجع المادة الصحفية من حيث اللغة والمضمون، وأزعم أنّ عليه العبء الأكبر في إخراج الصحيفة في أبهى صورها. ورغما عن هذا فدائما ما يكون هو (كبش الفداء)، و«المربوط، الذي يُضرَب على رأسه؛ ليخاف السايب!».

وجريا وراء قولِ الحقّ في سورة الفرقان: {فاسأل به خبيرا}، بيد أنني عملت بمراجعة التحرير فترة ليست بالقصيرة، أؤكد أنّ فريق هذا العمل أبطالٌ حقيقيون، إذ يقع عليهم العبء الأكبر، ويُحرَمون من كلّ مذاق للشهرة والذيوع، اللذين يدغدغ الحالمون بالكراسي الوثيرة في إيوان بلاط صاحبة الجلالة مشاعرهم بخصوصهما، ويعدون ـ كذبا ـ بأنّهم سيجعلون أولى أوليات برامجهم صرف بدل الشهرة لهذا الفصيل المسكين، وسرعان ما تنتهي الزوبعة، وينال كلُّ حالم مراده، وتذهب وعوده أدراج الرياح، لاسيما وأنها كانت وعود عرقوب!

ولمن لا يعرف فإنَّ جهد (المحرر المراجع)، لا يقدّره إلا الله، الذي أخبر في محكم التنزيل أنّه لا يُضيع أجر من أحسن عملا. وهؤلاء ـ بحق ـ يعملون ولايريدون من أحد جزاء ولا شكورا، ولكنْ نظرةُ امتنان، وتقدير مادي، أظنُّ أنها ستصنع معهم الفارق، وستدفعم إلى مزيدٍ من العطاء والجهد.

ولمن لا يعرف فجهد (المحرر المراجع)، يحول بين الصحيفة والتصحيف والتحريف، ودون إطالةٍ واستغراق في التعريفات، فالتصحيفُ هو الخطأ الناتج عن تغير النُّقط في حروف الكلمة، مع بقاء رسم الكلمة كما هو، مثل تغيير الباء إلى تاء أو ثاء، أو نون. أمّا التحريف، فهو الخطأ الناجم عن تغيير بنية الكلمة؛ باستبدال حرف بحرفٍ آخر لا يُشبهه. وحيث إنه بالمثال يتضح المقال، أسوق أمثلة؛ لأبين ما يبذله المحرر المراجع من جهد، فمن أمثلة التصحيف قولُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال)، صُحفت (ستا) في بعض الرويات، وكُتبت (شيئا)، ومنه تصحيف كلمة (النُّغير) إلى البعير، في قوله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا عمير: ما فعل النُّغير؟)، والنُّغير هو الطائر الصغير، فصُحّفت إلى البعير، فصارت العبارة: (ما فعل البعير؟) .

أمّا التحريف فمن صوره: تسمية شعبة بن الحجاج (سعدة بن الحجاج)، ومنه: ( عمُّ الرجل .. صنو أبيه)، حُرفت (صنو) إلى (ضيق)، فصارت: (عم الرجل ضيق أبيه)، وفي هذا اختلال في المعنى عظيم.

ويذكر التراث أنّ الخليفة عمر بن عبد العزيز، كتب لعامله على المدينة المنورة أبي بكر محمد بن حزم، يأمره بإحصاء المخنّثين بالمدينة بقوله:(أحصوا المخنثين) أي قوموا بعدهم وتسجيل أسمائهم، فأخطأ الكاتب، ووضع نقطة فوق الحاء (وهو ما يُعرف بالتصحيف)، فصارت (أخصوا)، فجمع الوالي المخنّثين، بناء على الرسالة، وقام بإخصائهم، أي نزع (بيضتي الذكورة)، فقال (طويس) أحد من أخصوا متهكما: «ما عملتم شيئا فبالخصاء استكملنا الخناث»!

وعودٌ على بدء، أؤكد أنّ مهنة مراجعة التحرير شاقة، ولابد لأصحابها من بدل شهرة، يعوّضهم ما يبذلونه من جهد، وإلا فلا نلوم إلا أنفسنا لو طالتنا يدُ الإخصاء بسبب تصحيفهم أو تحريفهم .. اللهم قد بلغت .. اللهمّ فاشهد!
---------------------------------------
بقلم: 
صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:00
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
27.9°C
توقعات الساعات القادمة
27.9°C
28.3°C
28.5°C
28.6°C
28.1°C
27.2°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس

أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...

حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,280ج.م
عيار 21
6,370ج.م
عيار 18
5,460ج.م
الجنيه الذهب
50,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...