الوسطاء حائرون
حين أضع أمامي خرائط الصراع وتقلباته، وأوازن بين موقف كل طراف وحساباته، ثم أحاول أن أضع نفسي مكان الوسطاء، أجد أنهم أمام مهمة تكاد تكون مستحيلة.
الوساطة ليست مجرد نقل رسائل بين عاصمتين متخاصمتين، وليست أيضًا محاولة لإقناع هذا الطرف أو ذاك بالتراجع. الوساطة، في جوهرها، هي البحث عن منطقة وسط يلتقي عندها الخصوم؛ منطقة لا يشعر فيها أحد بأنه انتصر انتصارًا كاملًا، ولا يُجبر فيها أحد على الاعتراف بهزيمة كاملة.
ولذلك، فإن كل وساطة ناجحة تقوم على التنازلات المتبادلة، وعلى اقتناع كل طرف بأن ما سيحصل عليه على مائدة التفاوض أفضل مما قد يخسره في ميدان القتال.
لكن أين هي هذه المنطقة الوسطى في هذا الصراع المشتعل بين أمريكا وحليفتها وبين إيران؟
واشنطن ترى أنها تتفاوض من موقع القوة، ولا تخفي أنها تريد من طهران أن تقبل بالشروط التي تضعها، بينما ترى طهران أن أي تنازل يُنتزع منها تحت ضغط الحشود العسكرية والتهديد بالحرب لن يكون تسوية، وإنما استسلامًا.
وهكذا يقف كل طرف عند أقصى مواقفه، منتظرًا أن يتراجع الطرف الآخر أولًا.
وفي مثل هذه المعادلة، ماذا يبقى للوسيط؟
هنا أجدني، على غرار أغنية عبد الحليم حافظ، أردد: الوسطاء حائرون.
حائرون، لأنهم لا يبحثون عن حل وسط بين موقفين متقاربين، وإنما بين موقفين يرفض كل منهما الاعتراف بشرعية موقف الآخر. وحائرون لأنهم مطالبون ببناء جسر، بينما ضفتا النهر تبتعدان عن بعضهما كل يوم.
غير أن المفارقة الأكثر إثارة أن الوسطاء أنفسهم ليسوا أطرافًا محايدة بالمعنى التقليدي، بل هم أيضًا من أكثر المتضررين إذا استمرت هذه الحرب أو اتسعت رقعتها.
السعودية تبذل كل ما تستطيع لمنع انفلات المواجهة إلى حرب لا تُبقي ولا تذر، لأنها تدرك أن استقرار الخليج هو أول ضحاياها.
وقطر تعرف أن أي انفجار إقليمي ستكون له انعكاسات مباشرة على أمنها ومصالحها.
وعُمان، التي راكمت عبر عقود رصيدًا من الثقة بوصفها جسرًا للحوار، ترى أن انهيار المسار الدبلوماسي يهدد أحد أهم أدوارها الإقليمية.
أما باكستان، بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح والحدود مع إيران، وعلاقتها المميزة مع الرياض تدرك أن أي توسع للحرب سيضعها أمام تحديات أمنية وسياسية واقتصادية لا ترغب في مواجهتها.
وهكذا يجد الوسطاء أنفسهم في وضع بالغ الغرابة؛ والصعوبة، فهم لا يتحركون فقط بدافع الرغبة في تقريب وجهات النظر، وإنما أيضًا دفاعًا عن مصالحهم الوطنية وأمنهم القومي.
الوسطاء لا يحاولون إطفاء حريق بعيد عنهم، بل يسابقون الزمن حتى لإخماد النيران التي وصلت إلى بيوتهم.
المؤكد أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الوسطاء، وإنما في أطراف الصراع أنفسهم.
الوسيط لا يصنع الإرادة السياسية، بل يبحث عنها. ولا يستطيع أن يفرض التسوية إذا كان المتفاوضون ما زالوا يعتقدون أن بإمكانهم تحسين مواقعهم بالحرب. فكل التجارب الكبرى في التاريخ تؤكد أن المفاوضات لا تنجح عندما يقرر الوسطاء بدءها، وإنما عندما يقتنع المتحاربون بأن استمرار القتال أصبح أكثر كلفة من التسوية.
وهذا هو الشرط الذي لا يبدو أنه قد نضج بعد.
الولايات المتحدة ما زالت تراهن على أن الضغط العسكري سيجبر إيران على تقديم تنازلات جوهرية، بينما تراهن إيران على أن صمودها سيُفشل سياسة الإملاءات الأمريكية ويُرغم واشنطن في النهاية على مراجعة حساباتها.
بين هذين الرهانين، تضيق مساحة الحركة أمام الوسيط، مهما بلغت خبرته أو مكانة الدولة التي يمثلها.
ولهذا فإن حيرة الوسطاء ليست دليلًا على ضعفهم، بل هي انعكاس مباشر لطبيعة الصراع نفسه. فهم يتحركون في أزمة لم تتوافر فيها بعد شروط التسوية، ولم يصل طرفاها إلى القناعة التي تجعل السلام خيارًا أفضل من استمرار المواجهة.
نجاح أي وساطة لن يتوقف على براعة الوسطاء، بقدر ما سيتوقف على اللحظة التي يكتشف فيها المتحاربان أن ما عجزت الحرب عن تحقيقه، لن تحققه حرب أطول، وأن السياسة ليست بديلًا عن القوة فحسب، بل قد تكون، في نهاية المطاف، الطريق الوحيد للخروج من حرب لا يملك أحد ضمان حدودها أو مآلاتها.
وكأن حيرة الوسطاء لا تكفي، حتى تتكرر تصريحات ترامب بما تحمله من تناقضات ومفاجآت ومبالغات، لتضيف إلى مهمتهم قدرًا جديدًا من الارتباك، وتجعل حسابات الوساطة أكثر تعقيدًا، في لحظة لم تعد تحتمل مزيدًا من الغموض والفوضى.
-----------------------------
بقلم: محمد حماد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه
السؤال:أشكركم على هذا الموقع. سؤالي: أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، فقد مضت سنة على رسمي له، لك...
مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها
شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري