المُربي علي معروف .. سريعا يرحل الطيبون!
تهدُف كتابتي عن أشخاصٍ بأعينهم في جانبٍ كبير منها إلي مُجاملة أصحابها بتخليد ذكرهم، وسردِ مناقبهم، التي تستفيدُ منها الأجيالُ اللاحقة بعدما يرون كيف نحتَ أصحابُها في الصخر، ولعقوا الصبر؛ ليسطروا سيرتهم في سجلات حياتنا بأحرفٍ من نور، وتهدف فيما تهدف إليه أيضا إلي سوق الطرفة والفكاهة التي ترسم البسمة علي وجه القاريء بعدما غابت عنه خلال رحلة بحثه عن لقمة العيش في سكك الحياة ودروبها، تلك اللقمة التي صار الحصول عليها أمام غول الغلاء أمنية صعبة المنال.
ورغم أن الكتابة عن أبطال حكاياتنا تكون برضا أصحابها أو ذويهم، إلا أن الكتابة عن هذا العملاق ، جاءت علي غير رغبة ابنه، الذي رغم باعه الطويل في العمل العام، إلا أنه يُحب خمول الذكر، ويرفض المواجهة، ورغما عن هذا، فقد ضربتُ بكلامه عرض الحائط، ممارسا عليه دور الخال، وعزمتُ أن أكتب عن والده، الذي صار بتعدد مواهبه شخصية عامة تستحق الدراسة، وتستأهل الذكر !
المربي الكبير علي إبراهيم معروف، رجلٌ أتقن كلَّ ما يفعل، وعمل بالعديد من الحرف، فصدقَ عليه مثل: (سَبع صنايع، ولم يكن أبدا بخته ضايع)، إذ كُنتَ تخاله في كلِّ عمل يعمله أحدَ أرباب هذه الحرفة، بل يصغر أمامه أربابها الحقيقيون، لسان حاله ما قاله الشاعر:
سبيلُ العُلا عالٍ علي من تعللا ... ومن جَدَّ في سعيٍ لأمر تمكنـــــا
رأيتُ الثريا رُؤية النجم للثري ... وذاك لأنَّ الصعبَ ما زال مُمكنا
هو جزارٌ وقصاب، وبناء، ومبلط سيراميك، وسباك، يؤمن بمثل: ( اعط العيش لخبازه)، ولكنه يرفض لؤم (الصنايعية)، وعدم احترام الموعد، فما إن أخلف معه صاحبُ حرفة موعدا، حتي أوصد في وجهه بابه، وقام هو بالعمل أفضل ما يكونُ القيام !
في مُلحق بيته الفلاحي بني غرفَ الدور العلوي، وكان (بَنَّا ومناول)، وفي جلسة سمر سال لعابُ جلسائه إلي اللحم العائم في المَرَق، فهرع إلي جَدي وذبحه وسلخه، وطبخَه لأسرته وضيوفه .
أخلف معه مبلط الأرضيات الموعد أكثر من مرة، فتصدي لمهمة تبليط الدور الأرضي، وأنهاها بحِرفية مُنقطعة النظير، قامتْ فيها زوجته الحاجة عائشة وأختها سحر، وهما ابنتا عمتي بدور (صَبي المِعلم).
في حديث مع ابنه د. محمد علي معروف الباحث بالمركز القومي للبحوث، قال : (لم ألحقْ أستمتع بأبي، فمات قبل أن أُتم الحادية عشرة ).
ولكني قلتُ له : لم يمت أبوك، ففي بقاء سيرته الطيبة بقاء له، وصدق القائلُ :
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميتُ ميت الأحياء
إنما الميتُ من يعيـــش ذليلا ... سيئا بالُه قليل الرجــــاء
وفي جلسة مع زوجته الفاضلة الحاجة عائشة حافظ قالت: ( الشيخ علي رجل لم يكن له نظير)، وهل هناك دليلٌ علي نُبل الرجل أدمغُ من شهادة زوجته له بعد وفاته، أظن لا ، وأعتقد أنك لا تخالفُني الرأي .
المرحوم علي إبراهيم معروف، رجلٌ عصاميٌ بحق، التحقَ كقليل من أقرانه بفصول التعليم الأزهري بعدما نبغَ في حفظِ القرآن الكريم، وحصلَ علي شهادة المعلمين، ورغم أنها كانت نهاية مطاف كثيرٍ من أقرانه ممن طرقوا باب الوظيفة الْمِيري للحصول علي القرش الأبيض لينفعهم في اليوم الأسود، الذي لم يقل سوادُه عن سواد هذه الأيام، وأُجزم أنني لا أسب الدهر؛ لكيلا يخرج عليَّ من بين السطور من يقول : ( لا تسُب الدهر يا شيخ )، فأؤكد أنني أسبُ الغلاء لا الدهر منعا للمُزايدة !
أعودُ لسيرة الرجل، فأقول إنه لم يكتف بدبلوم المعلمين، بل التحق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية، واجتاز سنوات الدراسة بتفوق، ولكنه آثر العمل في المرحلة الابتدائية، فكان إلي جانب كونه معلما لا نظير له أبا من طراز فريد، لا يضن علي تلاميذه بشرح وإعادة، ولا علي زملائه بمشورة ونصيحة، أو يقصر معهم في مدِّ يد العون سواء طلبوا أو لم يطلبوا !
المربي الراحل علي معروف طيب الله ثراه .. استضاءة وجه، وجمالُ خِلقة، وأناقة هندام، وحسن حديث، وطيبُ عشرة، وغيرها من صفات جمة قلما تتوافر في شخص واحد، أضف إلي ذلك صبره منقطع النظر علي المرض، والذي بسببه ودع سريعا دنيا الناس ، ولكن هكذا .. سريعا ما يرحل الطيبون .
------------------------
بقلم: صبري الموجي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
وسط البلد الباهر!
وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري