الخميس، 29 أكتوبر 2026 القاهرة 27.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
المؤتمر الوطني الأول.. أول مؤتمر وطني بلا وطن!

المؤتمر الوطني الأول.. أول مؤتمر وطني بلا وطن!

كان ينقص «المؤتمر الوطني الأول» المنعقد في لاهاي تفصيلة واحدة فقط حتى تكتمل المفارقة: أن يُعقد المؤتمر الوطني الأول لمصر... في مصر. 

لكن يبدو أن أصحاب الفكرة بعد بحث طويل اكتشفوا أن مصر بعيدة جدًا عن مصر فاختاروا لاهاي بديلًا. 

ولاهاي تحديدًا لا لشيء إلا لأن القاهرة فيما يبدو لم تكن متاحة للحجز في ذلك الأسبوع.

مؤتمر يحمل اسمًا بحجم الوطن أعلن عن نفسه بوصفه مشروعًا لصياغة رؤى وأوراق سياسات لإدارة مصر في مرحلة ما بعد سقوط النظام وطرح على نفسه ثمانية ملفات كبرى: السياسة - الاقتصاد - القوات المسلحة - الأمن - القضاء - الإعلام - سيناء - وسواها. 

وهذا ليس ادعاءً أطلقه خصومه؛ فالموقع الرسمي للمؤتمر يصرّح بلا مواربة أن غايته إعداد رؤية لما بعد سقوط نظام عبد الفتاح السيسي.

وهنا عند هذه النقطة بالذات تنكشف المشكلة الأولى وهي مشكلة في المنهج قبل أن تكون في التوقيت: 

أن يتقدم فريق من الناس لصياغة "ما بعد" نظام قائم دون أن يمتلك تفويضًا من الداخل الذي يزعم أنه يتحدث باسمه. فالمصري حين يسمع عبارة «مؤتمر وطني» لا يسأل عن جدول الأعمال بل يسأل سؤالًا أولا وأخيرا: أين الوطن في هذا المؤتمر؟ ومن الذي وقّع لكم تفويضًا بالحديث نيابة عنه؟

ثم جاءت الضربة الأولى لا من الخارج بل من الداخل وقبل أن يُفتتح المؤتمر أصلًا: المجلس الثوري المصري أعلن انسحابه قبل الانعقاد بأيام على خلفية خلافات جوهرية حول طبيعة المشروع السياسي نفسه وفي القلب منها فكرة تشكيل "حكومة بديلة" في المنفى.

وبعبارة مجردة من أي لباقة: المؤتمر الذي جاء لتوحيد صفوف المعارضة افتُتح بانشقاق أحد أطرافها. تلك بداية بكل المقاييس تستحق التصفيق.

غير أن منظمي المؤتمر فيما يبدو لم يقرأوا الدرس جيدًا. فبينما كان المطلوب أن يخرج المشهد بصورة معارضة منظمة متماسكة تمتلك تصورًا لمستقبل الدولة خرجت وقائع الجلسات لتقدّم للمصريين شيئًا آخر تمامًا: 

مادة دسمة للسخرية لا لأن الشعب يستسهل السخرية، بل لأن المشهد نفسه لم يترك له خيارًا آخر.

ثم جاءت واقعة «موكا».

عبد الرحمن الملقب بـ"موكا" روى تفصيلًا عن رحلة خروجه من مصر وعن منظمة بريطانية ساعدته في تلك الرحلة، مشيرًا بحسب ما أقر به أن رئيسة تلك المنظمة إسرائيلية يهودية. فما كان من إدارة الجلسة إلا أن أوقفت مداخلته على الفور وانتقلت إلى متحدث آخر.

وأنا هنا لا أقف عند صحة ما قيل عن تلك المنظمة أو خلفياتها، لكنني أقف بوصفي محاميًا تدرّب على قراءة المشهد قبل الحكم عليه عند دلالة اللحظة نفسها: مؤتمر يريد أن يقدّم نفسه بديلًا شرعيًا لإدارة الدولة، يفاجَأ بأحد المتحدثين على منصته يكشف عن شبكة علاقات ساعدته على مغادرة بلاده وعن هوية من يقف خلفها. فكانت النتيجة أن أُقفل الميكروفون في وجهه وكأن القاعدة الحاكمة للمؤتمر أصبحت: إذا كانت المداخلة لا تخدم الرواية المعدّة سلفًا، فالحل هو تغيير المتحدث لا مواجهة السؤال.

وهذا في حد ذاته مؤشر أخطر من أي زلة لسان: فالمشروع الذي يخشى مواجهة الأسئلة الصعبة في قاعة مغلقة لن يكون أكثر جرأة أمام أسئلة الشارع المصري المفتوحة.

أما المشهد الأكثر دلالة وإن بدا للوهلة الأولى الأكثر طرافة، فكان حين تحدث الفلسطيني أمين أبو راشد ووجّه في ختام كلمته التحية إلى "ثورة 30 يونيو". فارتبك الحضور ورد بعضهم بذكر "25 يناير" قبل أن يحاول المتحدث تدارك الأمر بعبارة فضفاضة عن "الثورة المصرية المجيدة".

وهنا لا حاجة إلى كاتب ساخر يصنع النكتة؛ فالقاعة نفسها كتبتها بيدها. فتخيّل مؤتمرًا يفترض أن يجمع أصحابه على رؤية واحدة لمستقبل مصر ثم يختلفون من فورهم وعلى الهواء على اسم الثورة التي يتحدثون باسمها. أهي يناير؟ أم يونيو؟ لا ضير فلنؤجل الخلاف إلى المؤتمر القادم على ألا نختلف - رجاءً - على موعده.

لكن المشكلة، في جوهرها ليست في لاهاي ولا في زلات الألسنة ولا حتى في الارتباك اللحظي. المشكلة أعمق من ذلك بكثير: أن يتصور البعض أن تغيير الجغرافيا يُغيّر طبيعة الشرعية.

فالمعارضة السياسية لا تكتسب صفة "الوطنية" لمجرد أنها اجتمعت خارج الحدود. والبيان لا يتحول إلى "تفويض شعبي" لمجرد أنه صيغ بلغة سياسية رنانة. و"الحكومة في المنفى" لا تصبح حكومة بمجرد أن قرر أصحابها أن يسموها كذلك على الورق. 

فالشرعية في القانون كما في السياسة لا تُمنح ذاتيًا ولا تُستمد من حسن النية، بل من تفويض حقيقي يمنحه صاحب الحق: الشعب.

والشعب المصري - وهذه حقيقة يتجاهلها كثيرون - ليس جمهورًا متفرجًا ينتظر من يوزّع عليه أدوار البطولة من قاعة مؤتمرات في أوروبا. 

له رأيه وله ذاكرته وله حساباته الدقيقة وله قدرة فائقة تكشفت عبر عقود من الأزمات على التمييز بين المشروع السياسي الجاد وبين الاستعراض السياسي المُغلّف بخطاب "ما بعد السقوط".

ومن هنا نفهم سر السخرية المصرية، فالمصريون لم يسخروا من "لاهاي" لأنها مدينة هولندية ولم يسخروا من المعارضة لمجرد كونها معارضة. سخريتهم جاءت من الفجوة الصارخة بين الاسم والواقع:

الاسم: المؤتمر الوطني الأول. والمكان: خارج الوطن تمامًا.

الهدف المعلن: توحيد القوى المصرية. والبداية الفعلية: انسحاب أحد أطرافها الرئيسية.

الرسالة المرجوة: مشروع سياسي متماسك وناضج. والمشهد الفعلي: مداخلات متضاربة وجدال حول أبسط الرموز.

الطموح المعلن: إدارة مصر بعد سقوط نظامها. 

والسؤال الغائب عن كل هذا: ومن قال إن النظام سيسقط أصلًا؟ ومن فوّضكم أنتم تحديدًا لإدارة ما بعده؟

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية لا في التفاصيل الطريفة بل في غياب المنطق السياسي الأول: من أراد تغيير بلد عليه أولًا أن يقنع أهل هذا البلد لا أن يكتب لهم نصًا جاهزًا من الخارج. 

ومن أراد أن يتحدث باسم المصريين عليه أن يملك شرعية سياسية حقيقية لا مجرد قدرة على حجز قاعة في مدينة أوروبية. ومن أراد أن يقدّم نفسه بديلًا للحكم فعليه أولًا أن يثبت قدرته على إدارة خلافاته الداخلية قبل أن يطالب بإدارة دولة بحجم مصر وتعقيداتها.

فإذا كان المؤتمر عاجزًا عن الاحتفاظ بالمشاركين الذين أعلن عنهم قبل انعقاده وعاجزًا عن ضبط الرسائل الخارجة من على منصته، فكيف سيقنع المصريين وهم أصحاب أطول تجربة في اختبار الشعارات الكبرى بأنه قادر على إدارة دولة بحجم مصر وتاريخها ومؤسساتها؟

والسؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا سخر المصريون من مؤتمر لاهاي؟

بل: لماذا وفّر لهم المؤتمر (بيده) كل هذه الأسباب الوافرة للسخرية منه؟

لقد ذهب أصحاب الفكرة إلى لاهاي ليكتبوا "اليوم التالي" لمصر. 

لكن المصريين فيما يبدو كانوا ينتظرون منهم أمرًا أبسط بكثير: أن يتفقوا أولًا فيما بينهم على ماذا يريدون هم اليوم قبل أن يتحدثوا عن غد لم يُستشاروا فيه.

وربما كان الإنجاز الوحيد الذي حققه هذا المؤتمر حتى الآن هو ما عجزت عن تحقيقه سنوات طويلة من بيانات المعارضة المتناثرة: أن يجمع المصريين على اختلاف مشاربهم على أمر واحد لا خلاف عليه (الضحك) . 

أما الحديث عن "المؤتمر الوطني الثاني" فلعل الأجدى قبل أي إعلان جديد أن يحسم أصحابه أولًا سؤالًا واحدًا بسيطًا: هل سيُعقد في لاهاي أيضًا أم يبحثون هذه المرة - ولو مصادفة - عن وطن؟
------------------------------------
بقلم: طارق العوضي
المحامي وعضو لجنة العفو الرئاسي
(* نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك)

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة06:46
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
27.3°C
توقعات الساعات القادمة
27.3°C
27.5°C
27.3°C
26.6°C
25.7°C
24.6°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مهام البناء على المتاح

من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,280ج.م
عيار 21
6,370ج.م
عيار 18
5,460ج.م
الجنيه الذهب
50,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...