الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 23.2°C
رئيس التحرير مجدي شندي
القواعد العسكرية ليست منتجعات سياحية!

القواعد العسكرية ليست منتجعات سياحية!

أصبحت القواعد العسكرية الأجنبية ظاهرة بارزة في النظام الدولي المعاصر، خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبداية الحرب الباردة.

وقد أقامت قوى كبرى مثل أمريكا، شبكة واسعة من القواعد العسكرية خارج أراضيها تمتد من أوروبا إلى آسيا والشرق الأوسط.

ويثير هذا الوجود العسكري تساؤلاً قانونياً مهماً: هل يتعارض وجود قواعد عسكرية أجنبية مع مبدأ سيادة الدولة؟.

والسيادة هي المبدأ الذي يشكل حجر الأساس في النظام الدولي الذي أسسه ميثاق الأمم المتحدة.

فالسيادة تعني بشكل عام: "السلطة القانونية العليا للدولة على إقليمها وسكانها دون تدخل خارجي".

ويتضمن ذلك:

السيطرة على الأراضي.

التحكم في المجال الجوي والبحري.

احتكار استخدام القوة داخل الإقليم.

وقد كرس هذا المبدأ في المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة.

إلا أن السيادة في القانون الدولي الحديث ليست مطلقة، إذ يجوز تقييدها في الممارسة الدولية علي النحو التالي:

عند إبرام معاهدات.

عند منح تسهيلات عسكرية.

أو عند السماح بوجود قوات أجنبية.

أي أن القاعدة العسكرية الأجنبية قد لا تنتهك السيادة بشكل مطلق إذا تم تأسيسها على أساس اتفاق تعاقدي، لكن تلك السيادة تكون مقيدة.

والأساس القانوني لوجود القواعد الأجنبية يتمثل  في ثلاث حالات رئيسية وهي:

أولاً : الاتفاقيات الثنائية.

وهي الحالة الأكثر شيوعاً، مثل اتفاقيات:

إتفاقية وضع القوات، أو Status of Forces Agreement (SOFA)

وتحدد هذه الاتفاقيات المجالات التالية:

1. اختصاص المحاكم

2. استخدام المنشآت.

3. الحصانات العسكرية.

ثانياً : اتفاقيات الدفاع الجماعي:

كما في إطار منظمة الناتو NATO حيث تنتشر قواعد أمريكية في دول أوروبية مثل قاعدة رامشتاين في ألمانيا

Ramstein Air Base / Germany

ثالثا : حالات الاحتلال العسكري:

وهو وضع قانوني مختلف تماماً يحكمه إتفاقية جنيف الرابعة .

Fourth Geneva Convention

وهناك بلا شك قيود على السيادة الناتجة عن القواعد الأجنبية ، فرغم أن السيادة تبقى للدولة المضيفة، فإن وجود القواعد يؤدي إلى قيود عملية، مثل:

1. قيود علي الولاية القضائية

الوطنية ،ففي كثير من الحالات يخضع الجنود للقانون العسكري لدولتهم وليس للقانون المحلي.

2. التحكم العملياتي:

قد تستقل القوات الأجنبية بإدارة القاعدة بالكامل دون أدني تدخل من الدولة المضيفة .

3. استخدام القاعدة في عمليات عسكرية  خارجية ،وهنا تظهر المشكلة القانونية الأهم التي ظهرت في الإشتباكات الأخيرة مع إيران .

ثانياً: مشكلة استخدام القواعد لشن هجمات عسكرية.

بدون الدخول في تفاصيل ، فأن هذه القضية أصبحت مركزية في القانون الدولي الحديث، والسؤال هو هل تتحمل الدولة المضيفة مسؤولية إذا استخدمت دولة أجنبية قاعدة داخل أراضيها لشن هجوم علي دولة ثالثة ؟.

والقاعدة القانونية العامة وفق قواعد المسؤولية الدولية للدول التي صاغتها لجنة  القانون الدولي  :

International Law Commission

هي أن  الدولة قد تتحمل مسؤولية إذا:

سمحت باستخدام أراضيها؛

أو فشلت في منع استخدام أراضيها للإضرار بدولة أخرى.

مثال علي ذلك : حرب العراق 2003 ،

ففي خلال غزو العراق بقيادة أمريكا وبريطانيا  في 2003 استخدمت قوات التحالف قواعد في عدة دول.

وقد أثار ذلك نقاشاً قانونياً حول مسؤولية الدول التي سمحت باستخدام قواعدها، وقد انقسم الرأي الفقهي في مسؤولية تلك الدول، وإن غلب الرأي الذي حمّل تلك الدولة ما قد يترتب علي استخدام تلك القواعد من مسؤوليات.

. والمثال الثاني هو مثال العمليات في أفغانستان   بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ، فقد تم استخدام قواعد في آسيا الوسطى والخليج لدعم العمليات في أفغانستان .

وتتلخص المعضلة  القانونية في أن الفقه الدولي ينقسم هنا إلى رأيين:

الرأي الأول: يذهب إلي أن الدولة المضيفة غير مسؤولة إذا لم تشارك في القرار العسكري.

الرأي الثاني: يذهب إلي أن الدولة المضيفة تتحمل مسؤولية مشتركة لأنها سمحت باستخدام أراضيها.

وهكذا يمكن النظر إلي  القواعد الأمريكية في  الخليج العربي ، حيث أنها تمثل نموذجاً واضحاً لهذه المعضلة .

وأهم هذه القواعد قاعدة العديد الجوية في قطر ، وهي تعد  أكبر مركز عمليات جوية أمريكي في المنطقة ،. وفي البحرين

توجد قاعدة بحرية لدعم نشاطات الأسطول الخامس الأمريكي ، وفي الكويت توجد قواعد مهمة أبرزها معسكر أريفجان Camp Arifjan.

يمكن مما تقدم إستخلاص أن القواعد العسكرية الأجنبية تمثل: تنازلاً تعاقدياً محدوداً عن بعض مظاهر ممارسة السيادة وليس عن السيادة نفسها.

لكن الإشكالية الحقيقية تظهر عندما تستخدم القاعدة في عمليات عسكرية دون موافقة واضحة من الدولة المضيفة، أو بما يخالف القانون الدولي.

وفي تقديري أن هذه هي إشكالية القواعد الأمريكية في الخليج العربي، وذلك يعني بدون أدني شك خضوعها لقواعد الإشتباك في أي عمل عسكري، دون أن يكون للدول المضيفة حق الإحتجاج، لأن القواعد العسكرية في النهاية لديها مهام قتالية متعددة، وليست مجرد منتجعات سياحية لراحة القوات!
------------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:17
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
23.2°C
توقعات الساعات القادمة
23.2°C
22.5°C
21.7°C
21.0°C
20.4°C
19.8°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...