القضية الفلسطينية بين خطاب اليوم والأمس!
في كثيرٍ من الندوات، التي انعقدت حول قضية القدس، والنقاشات التي دارت بين صفوة المفكرين بشأن تلك القضية موضوع الساعة، والتي شاركتُ فيها مُمتعضا؛ لتدني مستوى الحوار، وهوان لغة المشاركين، وجدتُ أنَّ حال من شاركَ في تلك المحافل أشبه بحال من يُنادي على «لُقَطة» وجدها في الطريق، ووطَّن نفسه أنها صارت ملكا له، ولن يُفرِّط فيها أبدا، أو يأخذها منه أحد، فلجأ إلى التعريف بها؛ ذرا للرماد في العيون. وإيهاما بأنَّه فَعَلَ ما عليه؛ لتصل اللقطة إلى صاحبها، أخذ يُنادي بأعلى صوته: (اللى ضايع له ....)، وعند ذِكر الشيء المفقود يُخفض صوته حتى لا يسمعه أحد.
هذا المشهدُ الساخر للمُدلِّل على اللقطة، هو كحال كثيرٍ ممن تحدّثوا عن قضية القدس، وناقشوا مطلب ترامب المتكرر بتهويدها، إذ جاءت كلماتُهم في تلك القضية شاحبة شائهة تافهة مُتعثّرة، وإن صحَّ القول فقل: مائعة تُضيِّع الحقوق أكثر مما تُثبِتها لأصحابها، وتُبرهِن للمعتدي أنَّ القدس، صارت مطيَّة مُستباحة، ولقمة سائغة، ومرعى خصبا، يرتع فيه الكيان الصهيوني البغيض، بعدما فقدت من يدافعون عنها، ويصونون حماها.
المُلاحَظ جيدا أنَّه شتَّان بين خطاب اليوم عن قضية فلسطين، وخطاب الأمس، الذي صدر عن رجالٍ اتَّسموا بالعزَّة والقوة في الدفاع عن الحق، ولو فقدوا في ذلك أرواحهم وأغلى ما يملكون.
من تلك الخطابات المدهشة ما سجَّله التاريخ بأحرفٍ من نور عن موقف الملك فيصل بن عبد العزيز المُشرِّف، حينما هدَّد أمريكا والغرب بمنع تصدير المواد البترولية إليهما في حال مساندتهما للكيان الصهيوني، ولفتَ إلى أنَّه ليس ممن يديرون المعارك من وراء المكاتب، وعبر الهاتف، واللاسلكي، مُؤكدا أنَّه لو دارت رحى الحرب، واشتعل لظاها، فسيكون هو وأولاده وجميع إخوته في مُقدمة الصفوف، وأول المُناضلين.
والمعنى أنَّه ليس بالخُطب الرنَّانة، وكلمات الشجب والاستنكار تُحلُّ القضية الفلسطينية، التي أطلَّت على العرب بوجهها القبيح منذ ما يزيد على مائة سنة، بعد وعد بلفور المشئوم، ورغما عن هذا، مازال العرب يضربون أخماسا في أسداس؛ بحثا عن سبيل للحلّ والخلاص، دون أن يهتدوا لذلك، رغم أن الطريق إليه لاحبٌ وواضح لذوى البصر والبصيرة.
إنَّ حلَّ القضية الفلسطينية، وغيرها من أزمات المنطقة العربية، يكمن في ضرورة الوحدة بين العرب جميعا، والإيمان بأنَّ قضية القدس هي قضية العرب جميعا، وأنَّ التفريط فيها هو تفريطٌ في أولى حبات العقد، الذي سينفرط لا محالة إن لم نُحكِم ربطه، وتوثيقه من جديد.
إنَّه من العار أن يقف أسلافُنا أمثال الملك فيصل رحمه الله هذا الموقف المشرف، وتأتي أفعالنا هادمة لكلِّ ما بنوه اكتفاء بعبارات الشجب والاستنكار، التي لم تحل يوما مشكلة، أو تعالج قضية، إذ إنَّه معروف أنَّ ما سُلِب بالقوة لا يُستردُّ إلا بالقوة.
إنَّ ضخَّ أموال العرب ببنوك الغرب هو أكبر خطايا العرب، إذ إنّه بهذا يصدق علينا المثلُ: «سمِّن كلبك يأكلك»، فبأموالنا يضربنا الغرب وأمريكا في مقتل، وينعمون هم بالثراء، بينما نعاني نحن الفقر والحرمان.
وأخيرا أقول: إنَّ لمَّ الشمل واتحاد الصف، واستثمار أموالنا ببلادنا، هي سبل حلّ قضية فلسطين، وليس الشجب والاستنكار، والعضّ على الشفاه والأنامل، كما يحدث باللقاءات والندوات، التي يعقدها العرب على موائدهم المستديرة، فكلّها ردود أفعال لا تُسمن ولا تغني من جوع مع رئيسٍ مهووس بجنون العظمة والكبر، ولا يعترف إلا بمنطق القوة، وما جرى مؤخرا مع رئيس فنزويلا شاهدٌ ودليل.
----------------------------------
بقلم: صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري