القصير والعملاق .. مشهدٌ في المترو !
وقف مشدودا يُكافح لتصل يدُه إلى قواطع (الاستنلس) بعربة المترو، ليمسك بها، فتحميه من الوقوع كلما مادت رجلاه.
ولأنه قصيرُ القامة، أخذ يمُط جسمه، ويقف على أطراف أصابعه، وهيهات هيهات أن يصل!
رضى بالأمر الواقع واستقر مكانه، يتموج فى القطار، ويستند على من بجواره، كلما همَّ بالسقوط.
وقف بجانبه رجلٌ ضخم البنية، طويلُ القامة، أمسك بقاطع الاستنلس بسهولة ويسر، ووقف متباهيا بعضلاته المفتولة وبنيته الضخمة.
كانت يد المفتول، كلما أسرع القطار، تلتطم بوجه الشاب القصير، الذى ضاق ذرعا، فاضطر إلى لومه، فرد عليه ساخرا : (أعملك أيه أنت اللي قصير)!
نزلتْ هذه العبارة على أذني، وأذن ركاب العربة نزول الرعد، متسائلين: ألكونه قصيرا تدوسه الأقدام، ولا يرقب فيه القوى ذمة ولا رحما؟ أوصل الجورُ والظلم بيننا إلى هذا الحدّ؟
هل هذه هي سماحةُ الإسلام التى عاني النّبيّ لترسيخها، ودخل الناسُ بسببها فى دين الله أفواجا؟
والسؤال ما هذه القسوة التى طرأت على مجتمعنا، فأصبح الأخُ يُعادى أخاه، والجارُ يُقاضى جاره، صار المرءُ لا يأمن على ماله ونفسه وولده وأهله، أضحى زماننا مُغايرا زمنَ السابقين!
كان الناس قديما فى رباط ومودة .. الجارُ يصون بيت جاره، يحفظ أهله وماله وعرضه. القوى يحنو على الضعيف، يرعى شؤونه ويُلبى مطالبه. المجتمع كلُّه يكفل الفقير، ويسُدّ حاجته. كان الناس كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الأعضاء بالحمى والسهر، فأنزل الله عليهم بركة فى الرزق، الذى كان برغم قلته يكفى ويزيد، وبركة فى الأهل والولد.
كانت هناك ـ بفعل تلك السماحة التى عمّت المجتمع بأسره ـ راحةٌ فى القلب وطمأنينة فى الفؤاد.
أما فى زماننا هذا، سقطت قيمٌ كثيرة، وحلّت محلها سلوكيات شاذة وغريبة عن مجتمعنا، فشاع الظلمُ والجور والطغيان.
حلت القسوةُ محل العطف، الشدّةُ محل اللّين، الغضبُ محل الحلم، الكذبُ محل الصدق، انتشر ترويعُ الآمنين، فشت روحُ (الاستسهال والاستهبال والفهلوة والشطارة)، التى صار معناها أن تضحك على أخيك، وتُسلبه حقه.
انتشرت البلطجة، وقطعُ الطرق، والنصب والاحتيال، فماذا ننتظر من ربنا الموصوف بالعدل؟
هل ننتظر سعادة ورخاء؟!
كلا والله، إذ جاء الجزاءُ من جنس العمل، فألفينا هذا يُعانى شظف العيش، وذاك يشكو نشوز زوجته، وثالثا يبكى عقوق أولاده، ورابعا يشكو جورا وظلما، وخامسا يُقاسى غلاء ومرضا، كلّ هذا بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير.
أريد أنْ أقول إنّ صلاحَ المجتمع، وعدل الحاكم ورغد العيش، مُحالٌ أن يتحقق إلا بصلاح أنفسنا، وتمسكنا بروح الإسلام السمحة، التى فتحت البلاد، وأذعنت لها قلوبُ العباد، تلك الروح التى بسيادتها، لن تجد على الأرض أثرا لظلم أو صورة لجور، لن تجد قطعا للطرق وسرقة للبيوت، لن تجد اعتداء على النساء، وهتكا للأعراض، لن تجد كذا وكذا من أمراضنا العضال، التي نلطم بسببها الخدود، وصدق ربنا القائل: (ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون).. فاعقلوا يرحمكم الله.
----------------------------------
بقلم: صبرى الموجى
[email protected]
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري