الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 26°C
رئيس التحرير مجدي شندي
القدس.. حتمية التاريخ وصراع الإرادات بين الاستثناء واليقين

القدس.. حتمية التاريخ وصراع الإرادات بين الاستثناء واليقين

على مرّ ثلاثة آلاف عام من الزمان  لم تكن القدس مجرد نقطة جغرافية على الخارطة، بل كانت وما زالت "ترمومتر" السيادة وميزان القوى في الشرق الأوسط.

إن قراءة تاريخ هذه المدينة، التي تعرضت للغزو والاستعادة قرابة 44 مرة، تكشف عن حقيقة سياسية أعمق من مجرد صراع على حدود؛ إنها صراع على "الشرعية المطلقة" فوق أرض لا تقبل القسمة على اثنين.

**القدس كمركز للثقل السياسي**

في العرف السياسي التاريخي، لم يكن احتلال القدس يوماً هدفاً عسكرياً تكتيكياً فحسب، بل كان "إعلاناً للإمبراطورية". من بابل إلى روما، ومن الصليبيين وحتى الإنجليزي ثم الصهيونية، كان وضع اليد على القدس هو الختم الذي يمنح القوة الغازية صفة "القوة العظمى". إلا أن هذا التاريخ ذاته يهمس لنا بدرس بليغ كل القوى التي دخلت القدس كغريب، ظلت تتعامل معها كـ "ثكنة" أو "قلعة"، بينما تعامل معها أصحاب الأرض كـ "بيت" و"هوية". هذا الفارق الوجداني هو ما جعل الاحتلال في القدس، تاريخياً، "حالة طارئة" مهما طال أمدها، بينما الاستعادة هي "اليقين المستمر".

**معادلة الاستعادة / الوحدة أولاً**

بالتأمل في لحظات التحول الكبرى من الفتح العمري إلى التحرير الصلاحي نجد قانوناً سياسياً صارماً ؛ " القدس لا تُفتح إلا بمفتاح الوحدة ". لم يسترد العرب والمسلمون المدينة يوماً وهم في حالة شتات؛ بل كانت القدس دائماً "الثمرة الناضجة" التي تُقطف بعد عمل دؤوب لتجاوز الانقسامات الداخلية وتوحيد الجبهات الإقليمية.

إنها المدينة التي ترفض أن تُهدى للمنقسمين، وتنتظر دائماً اللحظة التي تبلغ فيها الأمة ذروة تماسكها السياسي.

**من صراع السيوف إلى حرب الديموغرافيا والقانون**

اليوم، يواجه الضمير العالمي فصلاً جديداً من هذا الصراع؛ حيث انتقل الاحتلال من المواجهة العسكرية التقليدية إلى "الاستعمار الإحلالي" لم يعد الهدف مجرد السيطرة العسكرية، بل محاولة "هندسة الجغرافيا" وتغيير الواقع الديموغرافي والقانوني للمدينة. ومع ذلك، يظل العائق الأكبر أمام هذه المحاولات هو "إنسان القدس" ذاته؛ ذلك الكائن الذي يحول يومياته البسيطة إلى فعل مقاومة سياسي، ويُثبت أن الحقوق التاريخية لا تسقط بالتقادم أو بقرارات أحادية الجانب.

**البوصلة التي لا تخطئ**

إن الخلاصة التحليلية لتاريخ القدس تخبرنا أن المدينة ليست مجرد تراث للماضي، بل هي "مستقبل" الصراع ومحدد نهايته.

هي البوصلة التي تشير دائماً نحو القوة الأكثر تماسكاً وجدارة حضارية ، وإذا كان التاريخ قد سجل سقوطها عشرات المرات، فقد سجل أيضاً انبعاثها من تحت الرماد كالعنقاء الاسطورية في كل مرة، لتعود إلى حضنها الطبيعي.

إن القدس اليوم، بتعقيداتها السياسية والقانونية، تضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني حاسم ، هل ينتصر منطق القوة العابر، أم قوة المنطق التاريخي الراسخ؟

التاريخ يقول إن الغزاة يرحلون وتبقى المآذن وأجراس الكنائس شاهدة على أن القدس، مهما حوصرت، تظل عصية على التدجين، وفيةً لهويتها الأصيلة.

فالقدس ليست نقطة جغرافية على الخارطة، بل كانت وما زالت وسوف تظل "ترمومتر" السيادة وميزان القوى في الشرق الأوسط.
-------------------------------
بقلم: حاتم نظمي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة02:49
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
26.0°C
توقعات الساعات القادمة
26.0°C
25.1°C
23.3°C
22.3°C
21.0°C
20.1°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس

أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...

آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,074ج.م
عيار 21
6,190ج.م
عيار 18
5,306ج.م
الجنيه الذهب
49,520ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...