الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 26.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الفولة والصحون السبعة

الفولة والصحون السبعة

فى الأبد الأبيد، والعهد البعيد كان رجل من أهل قريتنا له بيت عظيم مملوء من صنوف الخير والنعم، فكانت إحدى حجراته تُملأ خزينا من خير أرض مصر ذلك الحين، وأخرى تُملأ من صنوف الطير والداجن، وثالثة كانت مأوى للحلوبة والوالدة من الضأن والماشية، وأما سقف داره فكانت تزدحم عليها جرار الجبن والسمن والعسل، وكان بيت هذا الرجل على النيل فإن شاء أرسل خيطا فى عود فاصطاد به ما شاء من شهى البلطى والبنى وغيرها، لكن شأن هذا الرجل كان عجيبا فى طعامه، فقد كان يترك هذا الخير ويعمد إلى حصاد الفول فيحصله عنده فى إحدى حجراته، ويقسمه كيلات فيجعلها طعامه وطعام عياله العام كله!

لقد كان يأمر بالكيلة، فيؤتَى بها فيقسمها أقساما أربعة، فيدفع ربعا منها إلى إحدى نساء الدار ويقول لها اجعلى هذا فى قدر ثم دسيه فى بقية نار خبزك، واتركيه إلى الصباح فيصير "فولا مدمسا" ألين من الزبد، وألذ من اللوز، فيأكلون منه أياما حتى تضطرب له أمعاؤهم ومعداتهم لخشونته وغلظه، ثم يملونه ويزهدونه، فإذا رآهم كذلك قال: لا تلقوا بقيته، بل ضعوا عليه شيئا من الطماطم والبهارات فيصير طعاما أشهى وأمرأ، فإذا أكلتموه صنعت لكم من الغد لونا جديدا أطيب من البط، وأشهى من الضأن، ومرقته أغذى لكم من مرقة اللحم، فيبيت أهل الدار يحلمون ويتمنون.

فإذا كان الغد نادى بالربع الثانى من الكيلة، فدفع به إلى إحدى نساء الدار وقال لها: اجعليه فى ماء للنقع فإذا أنبت فاسلقيه، وقدميه إلينا ساخنا لذيذا، فمرقته أطيب من مرق الكندوز وأسمى ذلك "الفول النابت"، فيأكلونه مرارا حتى يملونه ويزهدونه، فإذا رآهم كذلك قال: لا بأس بالتنويع والتصنيف فى الطعام.

فإذا كان من الغد استخرج ربعا من أرباع كيلة الفول، فيدقها دقا حتى تنفلق الحبوب إلى أنصاف وأرباع، وتذهب عنها القشور، فإذا تم له ذلك دفعه إلى إحدى نساء الدار، وأمرها أن تطبخ هذا الفول المجروش مع بعض خضراوات الأرض وأسماه "بصارة"، فيكون هذا طعامهم حتى يملونه ويزهدونه، فإذا رآهم كذلك قال: لا بأس، لأتحفنكم اليوم بطعام لم تأكلوا مثله فى أرض العرب، ولا بلاد العجم، فانتظروا الغد، فبات أهل الدار  كل منهم يحلم ويتمنى.

فإذا كان الغد عمد إلى ربعه الأخير من كيلة الفول، وأتى بمطرقة فدقه بها حتى تنجرش حبات الفول، ثم جعل عليها بعضا من الكراث والبصل فوضعها فى المطحنة حتى صارت كلها عجينا واحدة، فأمر نسوة الدار أن يشعلن نارا، ويضعن فوقها طاس الزيت حتى يغلى، وجعل هو يقطع عجينته تلك أقراصا صغارا، ثم يلقيها فى الزيت حتى تقلى، فيخرجها ويتذوقها فإذا هى شهية الطعم عنده، فأسماها "الطعمية"، وقال: اجعلوها فى فطوركم وعشائكم وأرغفتكم.

ولم يكن سيدى "أبو فولة" بعد هذه المغلظات التى فتكت بقولون أهل بيته فتكا ليحرمهم "المسليات" ليتفكهوا بها، فكانت مسليات سيدى "أبو فولة" شيئا من قرون فول أخضر "حراتى"، أو شيئا من فول مشوى وأسماه "المُقيلى".

فإذا فرغت كيلته تلك عمد إلى كيلة غيرها فأعاد الكرّة مرة ومرة ومرارا، حتى يأتيه فى عامه الجديد مدد جديد من حصاد الفول، فمازالت تلك عادة بنيه وأهل قريته من بعده فى طعامهم، فإن صاحبنا لم يكن يقنع بأن يجعل هذا طعام أهل بيته، بل كان يتخول به جيرانه، وأصحابه وأقرباءه فيصيبهم من أصناف "الأفوال" هذه أطباقا، أو أقراصا، أو مغارف، أو قرونا، فأعجبتهم، فاعتمدوها طعاما لهم ولعيالهم فى بيوتهم، حتى كأن الله لم يخلق فى هذه القرية من الطعام إلا هذا الفول! ومن عجب أن أهل قريتنا على شدة عناء معداتهم وأمعائهم من هذه الأكلات الغلاظ الشداد، ذات النفخ والضيق والكرب، فقد كانوا يعدون هذه "الأفوال" من المآثر والمفاخر، ومن التراث التليد، وعددوا منافعها لصحة أبدانهم، ولو أنهم سألوا "قولونهم" لأجابهم بالصوت الحيانى!

فهل كان على هذا الرجل حين فكر وقدر وابتكر هذه "الأفوال" جميعا- هل كان عليه نذر أن يدع الطيبات، وأن يأكل الفول مدى عمره فأحب أن يفى الجميع إلى يوم القيامة بهذا النذر فأغراهم به؟! وهل كان القوم حين أطاعوه لهم معِدات وأمعاء من لحم ودم أم قد استبدلوا بها خلاطات الخراسانات المسلحة؟! لا أدرى!

وإن كنت (قارئى الكريم) من ذواقة هذه الأفوال المتعددة المتكاثرة، فهنيئا مريئا لك، فإنى لم آت فى هذه المقالة لأعيب لك طعامك، ولا لأبغِّضه إليك، فكلها من أنعم الله علينا، ولولا اختلاف الأذواق و"القولونات" لكسدت سلع،  ولفسدت بضائع، إنما جئت لأتعجب من هذا الجد المصرى العجيب الذى لم يدع فنا من فنون الفول إلا ضرب فيه بمغرفة!
----------------------------------------
بقلم: محمد زين العابدين
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:28
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
26.3°C
توقعات الساعات القادمة
26.3°C
25.5°C
24.8°C
24.1°C
23.4°C
22.7°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس

أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...

حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة

السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,011ج.م
عيار 21
6,135ج.م
عيار 18
5,258ج.م
الجنيه الذهب
49,080ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...