الأحد، 08 نوفمبر 2026 القاهرة 15.4°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الفك والتركيب !!

الفك والتركيب !!

سوريا ، السودان ، لبنان ، العراق ، الصومال .. خمسة دول أعضاء في جامعة الدول العربية ، كل دولة منها لها حكاية " بلا بداية ولا نهاية " علي رأي عمنا " نجيب محفوظ " ، ومحاولة الدخول في التفاصيل – مجرد المحاولة – تشبه محاولة مجنون فهم نظرية " النسبية " لأينشتاين ، ولعل التفاصيل لم تعد تهم الآن ، وربما الوضع يشبه بيوتاً مشتعلة أو علي وشك الإشتعال بحيث لا يفيد التوقف والتأمل والبحث والتدبير فيما كان في سالف العصر والأوان ، أو لتبادل الإتهامات والإستمتاع بالمعايرة والشماتة ، فما كان كان، ولم يعد لدي أحد ترف المماحكة والجدل ، فالنيران مشتعلة أو تكاد، والمطلوب هو رؤية ما هو كائن وما قد يكون ، وبعد ذلك قد يكون هناك وقت لأولئك المتقعرين كي يبكوا علي الأطلال ، أطلال البيوت المشتعلة !! ..

هذا ما هو كائن .. الصومال لم تعد دولة ، السودان يتوزع دمها بين القبائل ، العراق علي أهبة التشرذم ، أما سوريا ولبنان .. فهي علي وشك أن تصبح بعضاً مما سبق ..

لقد سبق أن أوضحت الآنسة " كوندليزا رايس "  بعض مــلامح " الفوضـي البناءة " Constructive chaos ، ولعل الجميع يعرفون ما هي الفوضي ، فلا شك أنها سمة واضحة للعيان لا تحتاج إلي شرح أو تفصيل ، ولعلي أطلق عليها إسم " الفوضي المنتظمة " Organized chaos ، وهي نوع من الفوضي التي أصبحت من طول المعاشرة جزءاً من النظام العام ، ولا أظن أن أحداً يمتعض منها (سوي قلة مارقة لا تزال متعلقة بأفكار مثالية ليس هذا زمانها وليس هؤلاء ناسها) ، فهي الفوضي اللذيذة التي يتمتع بها الجهول والكسول وأكلة الفول ، هي الفوضي التي يعمي فيها البصر والبصيرة ، فالكل يعيش في بلهنية وليس أبدع من ذلك لإستقرار الحال والدوام ، فوضي بلا رابط أو ضابط ، أو بالضبط " مولد وصاحبه غايب " كما يقول أهل البلد ..

الآنسة " رايس " فهمت " الفولة " ، فهذه الفوضي اللذيذة رغم أنها قدمت أحلي الفوائد لأمريكا أثناء الحرب الباردة ، إلا أنها الآن مصدر صداع ، بل أكثر من ذلك مصدر طائرات تخبط في عمارات أمريكا الشاهقة ، فلا مانع من الفوضي المحلية في هذا القطر أو ذاك ، ولا مشكلة في الفوضي الإقليمية ، ولكن تصدير الفوضي إلي أمريكا أمر محظور ، حتي ولو قال أحد أن تلك بضاعتها ردت إليها! ..

فمثلاً لم يكن هناك مانع من خلق فوضي " الحرب المقدسة " علي أرض أفغانستان إبان الإحتلال السوفييتي لها ، حين كان خبراء المخابرات المركزية يرتلون علي شباب المنطقة آيات الجهاد والشهادة ، ويغذون أكثر التفسيرات تطرفاً وتهافتاً ، فقد كان ذلك مطلوبا وبشدة ، ولم يكن هناك مانع من مساندة الرجعية والسلفية ( في السياسة والدين ) ، ولم يكن هناك مانع من تسليط أشعة الفوضي علي فكرة القومية العربية ، فذلك كله محمود ومرغوب آنذاك ، وفي هذا الزمن الفوضوي اللذيذ كان " صدام حسين " طفل واشنطن المدلل ، ولم لا؟ ألم يكن يقاتل بالنيابة عنهم وعن أهل الخليج حرباً ضروساً ضد إيران ، ونجح أن يضرب عصفورين بحجر : حيث عطل مسيرة الثورة الإيرانية لمدة تناهز عشرة أعوام ، واستنزف مقدرات الشعب العراقي التي كانت تؤهله كي يحتل مكانة مميزة في العالم ، بل وأستطيع أن أضيف أن خدمات صدام الخاصة في هذا الصدد قد شطبت العراق من حسابات القوة العربية الشاملة ( وقد كانت تلك مصلحة إستراتيجية إسرائيلية بقدر ما هي أمريكية ، وليس هناك فارق كبير علي أي حال ) ...

في زمن الفوضي المنظمة كانت واشنطن وغيرها من حواضر العالم المتحضر ( أو الذي يصف نفسه بذلك ) أبواقاً تردد شعراً ونثراً مديحاً في الإستبداد ورموزه ، وهجاء مريراً ضد حاملي مشاعل النور والحرية ، كانت تلك الحواضر المتباهية بزخرف القول والمعاني الإنسانية ترسل أدوات القهر وتدرب السجانين وتبني الزنازين ، وتتباهي بلا خجل بإستقرار وجمال الشرق الأوسط ، وسيولة بتروله ، وصلابة إيمانه في مواجهة المد الشيوعي الملحد .. حتي عند إنكسار يونيو 1967 تبادلت تلك الحواضر أنخاب الأمل بمزيد من الفوضي المنظمة ، أو المسيطر عليه Controlled  chao.

إلا أن هذه الفوضي الممتعة – وخاصة بعد انهيار الإتحاد السوفييتي – لم تعد بهذا القدر من المتعة ، فلم يعد للغضب المكبوت متنفساً تجاه شر "وهم التغلغل الشيوعي"، وفقدت المنطقة أهميتها الإستراتيجية من هذا المنظور ، ولم يعد فيها ما يهم سوي أمرين بلا ثالث : البترول وإسرائيل ..

وكان يمكن أن يبقي الحال علي ما كان ، لولا أن " العفريت " قد خرج من القمقم ، وبدا أن المنطقة التي غسلوها من أدران القومية العربية علي وشك أن ترتدي دروع الإسلام كي تتوحد تحت راية لديها منهج وطريق وتاريخ وتجارب ، فوجئ الجميع بنظرية تتولد من بين هشيم " الفوضي المنظمة " بشكل فوضوي أيضاً ولكن بلا سيطرة Uncontrolled chaos  .

لذلك أدركت الآنسة " رايس " ومن لف لفها من أحبار " المحافظين الجدد " أن نعيم الفوضي المنظمة قد أوشك أن يتحول إلي جحيم ، ومن بين الأدخنة المتصاعدة من توأمي برج التجارة العالمي في منهاتن بزغ شعاع فكرة " الفوضي البناءة " ، فهم لا يريدون نظاماً ، أي نظام لهذه المنطقة لأن ذلك خطر إستراتيجي لا يقبلون به ، فالمطلوب هو استمرار " الفوضي " ولكن بثوب جديد ..

وبدأ البكاء علي " الديمقراطية المسكوبة " ، و" حقوق الإنسان المهدرة " ، و " تمكين المرأة المغلوبة علي أمرها " ، و " حقوق الأقليات " ، و " الفساد " ... وهكذا أصبح مثلاً " صدام حسين " المدلل عدو البشرية رقم واحد ، وأصبح الفكر الرجعي والسلفي مفرخة توليد الإرهاب ، وهكذا بدأ الغناء علي " نوتة " أخري ولكنها تحمل نفس إسم سيمفونية الفوضي ...

ومن أسس الفوضي أنه للخروج من وضع فوضوي إلي آخر ، ينبغي أولاً تفكيك الموجود وتركيب المأمول، والتفكيك – بداهة – لا يتم بين ليلة وضحاها ، ولكن يجب أن يتم علي كافة المستويات ، والبداية تكون مع بعض المسامير الإستراتيجية علي الخريطة (العراق ، السودان ، سوريا .. إلخ) ، بحيث تتطاير تلك الخريطة فلا يصعب خلخلة بعض المسامير الأصعب ، وخلال ذلك يتم تفكيك الفكر السائد وتركيب فكر مناسب ، لذا نجد " سوا " و " الحرة " وبعض منظري " الوقوعية " من النخب العربية ، وبتفكيك العراق مثلاً يتم تركيبه " الديمقراطي " بشكل يضمن إستمرار الفوضي ولكن في شكلها المسيطر عليه ، ونفس الوضع في السودان وهكذا دواليك ( وهل هناك فوضي أكثر من شكلها الدموي الحالي في العراق ؟! ) ..

والحقيقة هي أن الواقع العربي أضعف من أن يصمد لهذا المخطط الجديد ، فلا زالت آثار " داحس والغبراء " تحكم عقول القبائل ، رغم أن النيران التي اشتعلت في بعض البيوت العربية توشك أن تمتد إلي غيرها ، وكأن الجميع ينتظرون زمن الأطلال كي يبكوا عليها ، بينما تضحك الآنسة " رايس " وعصبتها لنجاحهم في تسويق بضاعة " الفوضي البناءة " في أسواق الشرق الأوسط التي اشتهرت بالشطارة في الفصال والجدال ، ولكنها اعتادت مع ذلك علي أن تبيع رخيصاً وتشتري غالياً ، والمزاد اليوم معقود لبيع شقيق عربي آخر ....
-------------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية السابق



استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة07:28
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
15.4°C
توقعات الساعات القادمة
15.4°C
15.2°C
16.2°C
18.5°C
20.6°C
21.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

مهام البناء على المتاح

من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...