الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 20.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الفتنة مصنوعة: حين تتآمر بعض الأنظمة على شعوبها خدمةً لأمريكا

الفتنة مصنوعة: حين تتآمر بعض الأنظمة على شعوبها خدمةً لأمريكا

أولاً: من يستفيد من تمزيق المنطقة؟

قاعدة ذهبية في تحليل الصراعات: ابحث عن المستفيد. حين تنظر إلى خريطة الشرق الأوسط منذ سقوط الشاه عام 1979 حتى اليوم، ستجد مستفيداً واحداً ثابتاً من كل حرب، ومن كل فتنة، ومن كل تدخل: إسرائيل.

لم تُخضها إسرائيل بنفسها في أغلب الأحيان، بل وظّفت لذلك أنظمة عربية تبحث عن الشرعية الأمريكية وعن ضمانات البقاء على كراسيها، مقابل ثمن واحد: تحويل بوصلة شعوبها من فلسطين إلى إيران، ومن الصهيونية إلى "الخطر الشيعي".

ثانياً: حرب الثماني سنوات ـ الجريمة التي لا تُنسى

حين أطاحت الثورة الإيرانية بالشاه عام 1979، أُسقط أهم حليف استراتيجي لإسرائيل في المنطقة. رجل كان يمد تل أبيب بالنفط سراً، ويحمي مصالحها علناً، ويضمن لها هدوء الجبهة الشرقية. سقوطه كان بمثابة زلزال.

الرد لم يتأخر. دُفع صدام حسين لشنّ حربه على إيران عام 1980، وانهالت عليه الأموال الخليجية بالمليارات، والسلاح الغربي بالطائرات والكيماوي، والغطاء الدبلوماسي الأمريكي بلا حدود. ثماني سنوات من الحرب، مليون قتيل، واقتصادان مدمّران، وشعبان منهكان.

والسؤال الذي لا يُطرح: ماذا كان يمكن أن يتهدد دول الخليج فعلاً لو انتظرت وتحاورت بدلاً من أن تموّل حرباً استنزافية؟ الإجابة الصادقة: لا شيء يستحق هذا الثمن. لكن الأنظمة الخليجية لم تكن تحسب مصلحة شعوبها، بل كانت تحسب ما تطلبه منها واشنطن.

ثالثاً: الوهابية ـ السلاح الأيديولوجي الأمريكي في مواجهة الإسلام الرافض للتبعية

من الذي غزا عواصم العالم الإسلامي أيديولوجياً؟ من الذي أعاد برمجة المناهج الدينية في باكستان وإندونيسيا وأفريقيا وآسيا الوسطى والدول العربية ذاتها؟ ليست إيران، بل المملكة العربية السعودية بأموال النفط ومباركة أمريكية صريحة.

والشاهد على ذلك ليس محللاً معادياً، بل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نفسه، الذي اعترف علناً بأن نشر المذهب الوهابي خارج حدود المملكة جاء استجابةً لطلبات غربية في سياق الحرب الباردة ومواجهة المد السوفيتي. أي أن الوهابية المُصدَّرة لم تكن مشروعاً دينياً بالمعنى الحقيقي، بل كانت أداةً سياسية في يد واشنطن، وُظِّفت لتحويل الطاقة الدينية للشعوب من مواجهة الاستعمار إلى الاشتغال بالفتاوى والتكفير الداخلي.

في المقابل، ماذا صدّرت إيران؟ صدّرت رفض التطبيع، ورفض القواعد الأجنبية، ورفض الخضوع للمشروع الصهيوني. أيّ التصديرين أخطر على الأمة؟

رابعاً: الإمارات والتطبيع ـ حين تصبح العروبة واجهة

في سبتمبر 2020، وقّعت الإمارات العربية المتحدة اتفاقيات أبراهام، لتصبح أول دولة خليجية تُطبّع علناً مع إسرائيل في قفزة تجاوزت كل الخطوط التي رفعتها الأنظمة العربية عقوداً. لم يكتفِ النظام الإماراتي بالتطبيع السياسي والاقتصادي، بل ذهب إلى ما هو أبعد: تأسيس "البيت الإبراهيمي" في أبوظبي، مشروع يجمع كنيسة وكنيساً ومسجداً تحت سقف واحد، في رسالة رمزية مفادها أن الإسلام مجرد رواية من روايات متعددة متساوية، وأن الهوية الدينية قابلة للإدماج والتذويب في منظومة العولمة الليبرالية التي تحرسها واشنطن وترعاها تل أبيب.

لحق بالإمارات البحرين والمغرب والسودان في الموجة ذاتها. والسعودية تفاوض اليوم علناً على تطبيعها الخاص. كل هذا يجري بينما تواصل إسرائيل قصف غزة وتهجير الفلسطينيين، أي أن التطبيع لا يشتري سلاماً بل يشتري غطاءً لاستمرار الإجرام.

خامساً: اليمن ـ نموذج الفتنة المصنوعة

قبل أن تتحوّل الحرب على اليمن إلى "ملف إيراني" في الإعلام الخليجي، كان الحوثيون حركةً يمنية نشأت في صعدة رداً على حملات قمع ممنهجة مدعومة سعودياً. استهداف الهوية الزيدية، وتهميش المناطق الشمالية، وزرع التطرف الوهابي فيها بالمال، هذه كانت البذرة.

إيران لم تخلق الحوثيين، لكنها دعمتهم حين وجدت فيهم مقاومةً حقيقية في وجه مشروع التدجين الإقليمي. الفرق بين الطرفين واضح: الرياض تقصف المستشفيات والأسواق بصواريخ أمريكية الصنع، وطهران ترسل أسلحة لمن يقاوم هذا القصف.

سادساً: الطائفية ـ السلاح الأمضى في يد إسرائيل

الحقيقة التي يخشى كثيرون قولها: التحريض الطائفي في المنطقة العربية لم ينشأ من تلقاء نفسه، بل هو صناعة ممنهجة تستفيد منها إسرائيل أكثر من أي طرف آخر.

إسرائيل تعرف تاريخياً أن وحدة العرب والمسلمين هي خطرها الوجودي الأول. لذلك استثمرت عقوداً في تغذية الشقاق: دعمت إعلاماً طائفياً، ومرّرت معلومات مضلِّلة، وشجّعت أنظمة على شيطنة إيران بدلاً من مواجهة الاحتلال. والنتيجة؟ أن يجد المواطن العربي نفسه يكره "الرافضة" أكثر مما يكره من يسرق أرض فلسطين.

والمفارقة الكبرى أن السنّة سقطوا في هذه الفتنة قبل الشيعة، لا لأنهم أضعف إيماناً أو أقل وعياً، بل لأن الآلة الإعلامية والمؤسسة الدينية الممولة سعودياً استهدفتهم بشكل مباشر ومنظّم. الشيعة لم يُستدرجوا إلى الفتنة إلا بالضغط والمؤامرة المتواصلة لإعادة إيران إلى حظيرة التبعية، أي إعادة عميل الكيان الصهيوني إلى حكمها من جديد.

سابعاً: إيران تقاتل بالوكالة عن أمة تخلّت عن نفسها

سؤال بسيط يستحق إجابة صادقة: في العقود الأربعة الماضية، أي دولة ذات أغلبية سنية واجهت المشروع الصهيوني الأمريكي بشكل فعلي على الأرض؟

الجواب المُرّ: لا توجد واحدة ؛ لم تُرسل دولة سنية سلاحاً لغزة حين كانت تُحرق. ولم تقف دولة سنية في وجه الحصار حين كان يُشدَّد. ولم تُعلن دولة سنية واحدة أن التطبيع مع إسرائيل خط أحمر لا يُتجاوز. بل على العكس، تسابقت أنظمة تُعرّف نفسها بالإسلام السني إلى فتح أبوابها للاستخبارات الإسرائيلية، وتوقيع اتفاقيات الشراكة، وتسهيل التغلغل الصهيوني في المنطقة.

في المقابل، إيران وحدها هي من دعمت المقاومة في لبنان حين كان الجنوب يُحتل، وهي من مدّت غزة بالسلاح والتدريب حين تخلى عنها الجميع، وهي من دعمت الفصائل العراقية التي واجهت الاحتلال الأمريكي حين كانت الأنظمة السنية المجاورة تُسهّله وتُموّله، وهي من وقفت مع اليمنيين حين كانت القنابل السعودية الأمريكية تهدم بيوتهم.

والأشد مرارةً من ذلك كله: بينما كانت إيران تدعم من يقاوم، كانت أنظمة تتكلم باسم السنة مشغولةً باختطاف الدين ذاته، نشر المذهب الوهابي المُصنَّع أمريكياً في كل بقاع الشرق الأوسط، من المدارس الباكستانية إلى مساجد أفريقيا إلى مناهج الدول العربية، لا لحماية العقيدة بل لتفريغها من روحها المقاومة وتحويلها إلى أداة طاعة وتدجين.

من اختطف الدين حقاً؟ من نشر مذهباً بأوامر أمريكية؟ من طبّع مع من يدنّس المسجد الأقصى؟ ليست إيران.

ثامناً: الشيعة بيننا ـ شاهد على كذب رواية "تصدير الفتنة"

إن كانت إيران حقاً تصدّر الفتنة الطائفية وتسعى لزعزعة استقرار جيرانها، فأين الدليل في الواقع المعاش؟

الشيعة العرب يعيشون بيننا منذ قرون. في السعودية في المنطقة الشرقية، وفي الكويت والبحرين، وفي مصر والجزائر وموريتانيا، وفي باكستان وأفغانستان وأغلب آسيا الوسطى. هؤلاء الملايين عاشوا جنباً إلى جنب مع جيرانهم السنة دون أن يُشعلوا حرباً طائفية، ودون أن يُصدّروا ثورة، ودون أن يُفسدوا نسيجاً اجتماعياً. مساجدهم قائمة، وعائلاتهم مستقرة، وانتماؤهم الوطني راسخ.

فمن أين جاءت الفتنة إذن؟ جاءت من فوق، لا من الشعوب. جاءت حين قرّرت أنظمة أن تُحوّل الهوية الطائفية إلى سلاح سياسي لصرف الأنظار عن فشلها الداخلي وعن تطبيعها الخارجي.

والدليل الأوضح على ذلك ما جرى مع الثورة المصرية عام 2011. لم تكن ثورة شيعية ولا إيرانية، بل كانت ثورة شعبية سنية في قلب العالم العربي السني. ومع ذلك تآمرت عليها الأنظمة الخليجية ذاتها بالمال والإعلام والضغط السياسي، لأن الخوف لم يكن من المذهب بل من النموذج، خوف من أن تُلهم ثورة شعب حراً أن العروش ليست مقدسة وأن الطاعة ليست واجباً دينياً.

هذا يكشف الحقيقة كاملة: الأنظمة الخليجية لا تخاف الشيعة ولا تخاف إيران بالمعنى الديني، بل تخاف كل نموذج يُثبت أن الشعوب قادرة على اختيار مصيرها بنفسها.

وفي المقابل، نجد أن كل الخنوع والاستسلام والتطبيع وقبول إملاءات الغرب وإسرائيل، بل والقبول بطلب حذف آيات من القرآن الكريم والتنازل عن الثوابت الدينية والتعليمية، لم يصدر إلا من أنظمة تحكم باسم الإسلام السني. الاستثناء الوحيد المضيء في هذه الصورة القاتمة هو غزة، شعب سني فقير محاصر يحمل وحده ما عجزت عنه جيوش وأنظمة وثروات.

اخيرا  إيران والخط الأحمر الذي لم يُتجاوز

إيران ليست دولة بلا مصالح ولا حسابات، لكنها في مشهد الشرق الأوسط الراهن تمثّل شيئاً نادراً: نظاماً رفض التطبيع مع من يحتل الأرض العربية، ورفض استقبال القواعد الأجنبية على أرضه، ورفض تغيير مناهجه الدينية وفق أوامر واشنطن وتل أبيب، ورفض الانخراط في منظومة الانحلال الثقافي التي تُسوَّق باسم الحداثة والانفتاح. هذا الرفض هو بالضبط سبب استهدافها: لأن نموذجها يكشف أن التبعية للمشروع الصهيوني الأمريكي ليست قدراً، وأن الاستقلال ممكن، وأن من يدفع ثمن هذا الاستقلال لا يكون عدواً للعرب بل عدواً لمن يحكمهم بالوكالة.

الفتنة مصنوعة، والمصنع في تل أبيب، والعمال في عواصم عربية، والضحايا شعوب لم تختر عداوة بعضها يوماً.

----------------------------------

بقلم: عز الدين الهواري

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:08
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.6°C
توقعات الساعات القادمة
20.6°C
19.8°C
19.2°C
18.8°C
18.5°C
18.6°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس

أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...

حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,108ج.م
عيار 21
6,220ج.م
عيار 18
5,331ج.م
الجنيه الذهب
49,760ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...