الاثنين، 02 نوفمبر 2026 القاهرة 24.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الغموض البناء ليس حلا

الغموض البناء ليس حلا

المقال التالي كتبته في يونيو 2024 تعليقا علي مبادرة للرئيس الأمريكي السابق بايدن ، وعندما سألتي أحد الصحفيين عن رأيي في مبادرة الرئيس ترامب الأخيرة ، لم أجد أفضل من ذلك المقال القديم رداً ..

وفيما يلي نص المقال القديم دون أي تعديل :

"المتأمل إلي خطاب بايدن الأخير الذي تضمن إقتراحات في أزمة غزة ، تشبه برنامجا قديما كان عنوانه : " من كل فيلم أغنية " ، فهي شطرات تبدو متقنة الصياغة ، تلبي الكثير من مطالب الطرفين علي شكل حلقات منفصلة متصلة ، وأغلبها عناوين ستخضع في التطبيق للغرق في محيط من التفاصيل.

لقد شهدت منطقة الشرق الأوسط هذا الفيلم مرات عديدة ، واسمه التجاري " السلام " ، بينما أسمه الحقيقي " الغموض البناء Constructive Ambiguity، وهي صيغة تعطي لكل طرف ما يمكن أن يدعيه مكسبا تفاوضيا ، بهدف تجميد الأزمة بأسلوب اللقطة الثابتة ، لحين انتهاء الأطراف من الغوص في تفاصيل تفسير كل طرف لما تم طرحه .

شاهدنا ذلك في صياغة قرار مجلس الأمن رقم 242 ، حملت ديباجته النص علي مبدأ عدم جواز الإستيلاء علي أراضي الغير بالقوة ، إلا أن الفقرات التنفيذية حملت ما يجعل صياغة الديباجة بمثابة تعبير لغوي فارغ من المحتوي ، ومن المعلوم أن ديباجة الوثائق لا تحمل قوة قانونية مماثلة للفقرات التنفيذية التي تعبر عن صلب إرادة النصوص .

وهكذا حارت الأطراف العربية وهي تتعارك مع تفسيرات إسرائيل لكلمة " الأراضي" التي وردت في النسخة الإنجليزية بدون حرف التعريف فأصبحت مجرد " أراض" ، وصممت إسرائيل علي أن القرار لا يلزمها بالإنسحاب من كل الأراضي ، ثم أنكرت أن المعادلة هي " الأرض " مقابل " السلام " ، وقذفت بعشرات التفسيرات ومنها مثلا " الأمن " مقابل " السلام " ...إلخ

ولكي نتتبع كل ما قيل من تفسيرات حول هذا  القرار  فربما نحتاج إلي كتاب كامل وليس مجرد مقال ، ولكن الخلاصة أن الصيغة التي كتب بها القرار بواسطة دبلوماسي انجليزي محنك ، كان يهدف إلي إيجاد بوابة للخروج من أزمة حالة ، ولا يهم بعد ذلك أن يتشابك الأطراف فيما بعد خروجهم من تلك البوابة ، والحقيقة أن كل طرف خرج راضيا وهو يعلم - وربما دون أن يدرك - أن القرار مليء بالألغام .

ويمكن تفصيل ذلك في كل الوثائق التي تم الإتفاق عليها بين العرب وإسرائيل ، بداية من اتفاقيات الهدنة في رودس عام 1949 إلي اتفاقات السلام مع مصر والأردن ، وإتفاق أوسلو مع الفلسطينيين ، وكل اتفاقات وقف إطلاق نار ، لم يحترمها الأسرائيليون .

وأزعم أن تمدد الصراع العربي الإسرائيلي لمدة ثلاثة أرباع قرن ترتب علي أسباب عديدة ربما أهمها تلك الصيغة الشيطانية التي يطلق عليها " الغموض البناء " constructive ambiguity ، لأنها تخدم الطرف الاقوي الذي يحتل الأرض بالفعل ولديه من القدرات العسكرية ما تتيح له المماطلة في إستغلال الغموض كي يحقق أكبر المكاسب التفاوضية لصالحه .

ولا تبعد مقترحات بايدن الأخيرة عن تلك الصيغة رغم أنها حملت مضمون المقترحات المصرية التي رفضتها إسرائيل ووافقت عليها حماس ، ولكنه شبكها كما ذكرت بحلقات منفصلة متصلة ، تعطي لأي طرف فرص التحلل من الإلتزام بحلقة تالية بحجة عدم التزام الطرف الآخر وهي مناورة تجيدها إسرائيل وتلعبها طول الوقت.

وفي تقديري ، لا تزيد مقترحات بايدن عن لعبة سياسية داخلية تساعد بايدن في الإنتخابات القادمة ، وتخفف الضغوط علي نتنياهو ، وليس لدي شك أن هذين الطرفين متفقان علي إعتماد هذه الصيغة الشيطانية لأسبابهما السياسية الداخلية .

وحيث أن تلك المقترحات تحمل بلا شك بعض العناصر الإيجابية ، فريما يجدر بالمفاوض الفلسطيني أن يرحب بتلك العناصر فقط ، وعليه أن يطالب صاحب " المبادرة " أن يعيد صياغتها بشكل صياغة قرارات مجلس الأمن الملزمة ، ويتم طرحها في مجلس الأمن بحيث تحمل العناصر التالية في الفقرات التنفيذية :

- وقف إطلاق النار الشامل .

- إنسحاب القوات الإسرائيلية من غزة .

- إطلاق متزامن لأسري الحرب علي الجانبين بالنسب المتفق عليها .

- تعيين إدارة تكنوقراط فلسطينية بالتنسيق بين كل الفصائل الفلسطينية وتحت إشراف ورقابة الوسطاء العرب والولايات المتحدة الأمريكية .

- عقد مؤتمر المانحين لإعادة إعمار غزة في شرم الشيخ .

- عقد مؤتمر للسلام تشارك فيه إسرائيل والدول العربية ، لوضع خطوات إعلان الدولة الفلسطينية "خلال عامين .

-----------------------------------

بقلم : معصوم مرزوق

• مساعد وزير الخارجية الأسبق

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:22
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
24.8°C
توقعات الساعات القادمة
24.8°C
24.1°C
23.5°C
22.2°C
21.4°C
20.7°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,012ج.م
عيار 21
6,136ج.م
عيار 18
5,259ج.م
الجنيه الذهب
49,088ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...