الجمعة، 30 أكتوبر 2026 القاهرة 21.4°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الغداء (طُرشي)  .. والحلو لِفْت !

الغداء (طُرشي) .. والحلو لِفْت !

مع شروقِ شمس أحد أيام فصل الربيع الخلاب خرجنا في جولة بين الرياض الغناء؛ لننعمَ بظل الأشجارِ مُتصافحة الأغصان، التي اصطفت علي حافتي تُرعة (العموم) بعيدا في غرب القرية، وحطتْ علي أغصانها أسرابٌ من البلابل تشدو، ووفودٌ من العنادل تُغرد .

كان منظرُ الخُضرة التي كست الحقولَ أشبه ببُساط من السُندس الأخضر تُسرُ برؤيته العيون، كما كان الهواءُ عليلا رطبا بفعلِ قطرات الندي التي بدت كورا صغيرة لامعة علي وريقات الأشجار والنباتات، والتي لم تدم طويلا إذ سرعان ما ذابت مع أول رسولٍ من رُسل أشعةِ الشمس .

انطلقتا نلعب، ونمرح ونتسابق لنري من يصلُ إلي الساقية أو (الحلوفة) أولا ؛ ليستمتع بخرير الماء بفقاعاته الفضية، ورذاذه الذي تطاير يُداعب وجوهنا فيملأ النفسَ نشوة والقلب سعادة.

كان منظرُ الجداول التي جري فيها الماء عذبا صافيا، وبدت في قيعانها الحشائشُ الخضراء، يشبه لوحة جميلة برع فنانٌ في رسمها، والتنسيق بين ألوانها، كما كان منظرُ أسماك البلطي مُتفاوتة الأحجام وهي تتقافزُ في ماء التُرعة الصافي لتلتهم قطع الخُبز مثارًا للدهشة والعجب.

أثناء استمتاعنا ونشوتنا، شعرنا بالجوع، الذي هيج الثعبان الملتف ببطوننا، إذ لم يدر بخلدنا أن نقضي شَرخ النهار خارج البيت، ولكنْ كان لسحرِ الطبيعة قرارٌ آخر، فعزمنا علي ألَّا نئد فرحتنا، ونقطع جولتنا وسط هذه الطبيعة البكر والجو الصحو، فأطلقنا لأنفسنا العنان نلعب ونمرح، فهاج ثعبانُ أحشائنا من جديد بصورة أشد، فأجفلنا، واتفقنا علي أن يرجع كلٌ منا إلي بيته ليُحضرَ بعض الطعام، ثم يؤوب راجعا لنستأنف اللعب والمرح .

نكصتُ إلي البيت أُسابق الريح، وما إن احتواني صحن الدار، حتي أخذت أذرع فيها طولا وعرضا، أفُتش عن طعام فلم أجد طعاما مُعدا، إذ كانت أختي الصغري (سلوي) مُنشغلة بتقطيع شرائح البطاطس والباذنجان وعصر الطماطم لإعداد طبق شهي من (المسقعة)، فقلتُ لو انتظرتُ حتي إعداد الطعام سيضيعُ اليومُ وأتأخر عن اللعب، فهرعتُ إلي (برطمان) المُخَلل، واستخرجتُ عددا من كور الليمون (المُعصفَر) ووضعتُها في طبق، وصررتُ إلي جانب الليمون عددا من أرغفة الخُبز، وقلت بصوت مهموس : شيءٌ من الغموس أفضلُ من عدمه، مُمنيا نفسي بما سيُحضره رفيقا اللعب النادي والعطار ممَّا لذَّ وطاب من الطعام، وربما أسعدنا الحظُ وأحضر العطار  قطعة من (الحلاوة الطحينية)، التي كان يُحضرها والده – رحمه الله – في صورة قوالب مُستطيلة ليبيعها في محل بقالة لهم كان مَقصد الجميع من شتي جوانب القرية.

إلا أن ما فكرتُ فيه فكر فيه رفيقاي أيضا، واعتمد كلٌ منا علي أخيه، إذ لم يجدا هما أيضا ببيتيهما طعاما مُجهزا، فأسرع النادي إلي (جَرة) التخليل لا يلوي علي أحد، وكان في إقدامه علي (الجَرة) أشبه بفاتح حصن بابليون، واستخرج عدة قرون من الفلفل المُخلل، مُوطنا نفسه بأن رفيقيه سيأتيان بما تشتهيه الأنفسُ وتلذُّ به الأعين .

وأخذ العطار هو الآخر، يجوبُ أرجاء الدار عساه أن يجد طعاما مُعدا فلم يجدْ، فرنا بناظريه صوب باب محل البقالة، إلا أنه كان مُوصدا بقُفل من حديد، فهرع إلي (جَرة) المُخلَّل، وكانت تُسمي في ريفنا المصرى (زلعة)، واستخرج ثلاثة أصداغٍ من اللفت. واللفتُ هو نباتٌ يشبه البنجر، كان يُخَلل رأسه وعروقه، فيُقطع الرأس إلي شطرين، يُسمي كلُ شطر (صدغا)، ووضعها - أقصد الأصداغ الثلاثة - في طبق صغير غطاه برغيف من الذرة يشبه الطبق الطائر، وخرج من بيته يُوسع الخُطي صوب رفيقيه حيث الرياض الغناء .

وعند التقائنا في الموعد المُحدد، شرع كلُ واحد يفضُ بكارة صُرته، ويكشفُ عما بها، فأسرعتُ أخبرهما أنني لم أجد بالبيت طعاما معدا، فأحضرتُ ليمونا مُخَللا، وسبحت بخيالي الخصب فيما ستُحضران من طعام .

لم أفرغ من كلامي، حتي انفجر النادي ضاحكا، وأخرج من صرته قرون الفلفل الحار، التي بدت أشبه برماحٍ معقوفة تقطُر دما، فصرخ العطار، واستلقي علي ظهره من شدة الضحك، وقال : لستُ أفضل منكما، إذ لم أجد طعاما، فأحضرتُ ثلاثة أصداغٍ من اللفت.

رضينا بما قدره الله مُحوقلين ومُحسبنين ومُسترجعين، واتفقنا بعد المداولة علي أن نبدأ بأكل الفلفل؛ اعتمادا علي أن هناك صنفين آخرين من المُخلل يُخففان من وطأته، بعدها نلتهم الليمون المُعصفَر، ثم نُحلي باللفت ظنا أنه سيكون بَرْدا وسلاما، فإذا به نارُ الله الموقدة، وكان قرارُنا بئس القرار .
--------------------------
بقلم: صبري الموجي

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:10
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
21.4°C
توقعات الساعات القادمة
21.4°C
20.8°C
19.4°C
18.6°C
18.1°C
17.9°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس

أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...

وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,092ج.م
عيار 21
6,206ج.م
عيار 18
5,319ج.م
الجنيه الذهب
49,648ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...