السبت، 31 أكتوبر 2026 القاهرة 16.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
العَفوُ والمقدرة

العَفوُ والمقدرة

يختلطُ لدى الجميع في أيامنا هذه مفهومُ العفو مع مفاهيم التسامح دون إعادة الحقوق لأصحابها. ولا يدري الكثيرون أن العفو اقترنَ دائمًا بالمقدرة؛ فالرسولُ صلى الله عليه وسلم لم يعفُ عن قومه ومن آذوه وآذوا صحابتِهِ، بل وقتلوا عمه، إلا من بعد أن أقَدرَهُ اللهُ عليهم، فنراهُ داخلًا مكةَ فاتحًا منتصرًا عليهم كما بَلَّغَهُ رب العزة عز وجل. وهو مثالٌ من أبسطِ ما ينبغي أن نضربَ في المقدرةِ إذا ما أراد أحدٌ أن يهضمَ حقَّ الآخرين بإجبارهم على العفو والتسامح، في مقابلِ إلغاءِ أهم شروطهما ألا وهو المقدرة. 

وفي هضمِ حقوقِ الآخرين والاستئسادِ عليهم بهذا الجورِ والظلمِ ما يدفعنا إلى أن نؤكِّدَ على ضرورةِ عدمِ التسامحِ، بل والقصاصِ ممن يتلذذون بهذه الممارساتِ غير السويِّةِ؛ إذ أنَّ هذا الذي يدخلُ في إطار ما نُعَلِّقَ عليه بالحكمةِ: مَن أَمِنَ العقوبةَ أساءَ الأدب. وبإصرارنا على نشرِ التسامحِ والعفو عن هذه الفئة ما قد ينشرُ في الأرضِ الفسادَ، ولا يأتي بثمار العفو والتسامح الحقيقية على الفرد ولا على المجتمع، بل على العكسِ فالتمادي في مسامحةِ اللئام وعدم الضرب على أيديهم ليكفُّوا عن ظلم الآخرين ما يسيء إلى الجميع، وهنا نتذكرُ جميعًا ما قاله الرسولُ صلوات ربي وتسليمه عليه وعلى آله وصحابته من أن مثل القائم على حدود الله والواقعِ فيها كالذين رزقهم الله التحكم في سفينةٍ كانت ستغرق لولا أن ضرب الذين آمنوا منهم على أيدي مَن بغفلتهم وضياعِ حكمتهم أرادوا خرقَ نصيبهم في السفينة. وقد وصفهم الرسولُ في قوله بالواقعين في الظلم والجور بغفلتهم عن إقامةِ حدود الله، ومنها نرى أن التسامح والعفو في هذا الشأن كان سيودي بحياةِ من بالسفينةِ ويُعرِّضُها للغرق، لولا مَن ضربوا من المؤمنين على أيديهم وأصروا على أن يقيموا فيهم حدود الله عز وجل. 

من هنا يتضح أن قيم الإسلام التسامح والعفو، لكن الانبطاح والرضا بالظلم والانصياع للانكسارِ دون استنصار الله، كل هذا لم يقضِ بهِ الإسلامُ، بل على العكس حثَّ وحضَّ على القِصاصِ العادل، ونشر مفاهيم العدل والأخذ بالحق نصرةً للمظلومين على الظالمين؛ حتى يعلمَ الظالمُ أن نهايةَ ظلمِهِ ليست في العفوِ عنه ولا مسامحته، بل هناك عدلٌ وقضاءٌ يقضي اللهُ بهِ بين البشر، وهناك من بين البشر مَن يمثلون هذا العدل وهذا القضاء، وذلك لنشر قيم الإسلام الأهم في مُلكِ الله. إن معرفةَ حدودِ الله وتطبيقها بين البشر هو الأولى من فرضِ قيمٍ ظاهريةٍ لا عدلَ فيها ولا قضاء بين البشر مما قد يشوبُ علاقاتهم، ويُفسد عليهم فهمها، بل ويسيء إلى دينهم الذي يتبعون. ومقاومة الظلم ونشر العدل مِن أهم مَا نُطالبُ بهِ في مجتمعاتنا حيث لا يُقيمُ اللهُ دولةً مسلمةً إلا والعدلُ من أهم مواثيقها.
------------------------------------
بقلم: رانيا مسعود

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة02:41
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
16.3°C
توقعات الساعات القادمة
16.3°C
16.1°C
16.1°C
17.6°C
20.2°C
22.7°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,063ج.م
عيار 21
6,180ج.م
عيار 18
5,297ج.م
الجنيه الذهب
49,440ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...