الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 27.2°C
رئيس التحرير مجدي شندي
العمران وإعادة إنتاج الهيمنة

العمران وإعادة إنتاج الهيمنة

يُنسب للفيلسوف الفرنسي جاك لاكان، أن اللغة ليست ما ينطق إنما ما لا ينطق، وما ينطق فيكون للتعمية على الحقائق ليس إلا، يعرف عن لاكان صعوبة طروحاته الفلسفية، ولكن لبعض هذه الطروحات تمثلات في كيفية عمل السلطة وممارساتها، فأحيانا لا يكون إعلان السلطة عن نفسها عبر الخطب والقوانين فقط، إنما عن طريق الجغرافيا، فاختيار الأمكنة ليس محايدا وقد يعتبر واحده من أكثر اللغات التي تعتمدها السلطة لتوضيح وظائفها، فاختيار العاصمة وبناء القصور ونقل المؤسسات وانشاء المدن الجديدة، لا تعتبر مجرد قرارات هندسية تقنية تدخل ضمن برامج الإصلاح الاقتصادي والعمران بشكل عام، فهي قرارات تحمل خيالا وتصورات للسلطة عن الدولة وكيف تراها، والمجتمع وكيف تضبطه، والعلاقة التي تريد السلطة أن تشكلها بينها وبين المواطنين.

ولذلك، فالسؤال هنا لا يرتبط بالمكان في حد ذاته، إنما بما يستبطن من معنى سياسي، فإعادة رسم الجغرافيا لا يأتي فجأة لأنه أُكتُشف أن هذا الموقع أفضل من غيره، إنما لان السلطة ترى في المكان وسيلة لإعادة تنظيم علاقتها بالمجتمع. فالسلطة دائما تسعى إلى اعاده انتاج شرعيتها، والرموز الكبرى تجسد حضور الدولة وقدرتها على الفعل، مما يجعل من العمران جزءا من خطاب سياسي متكامل يستهدف إعادة توزيع القوة وتعريف المسافة بين المجتمع والدولة.

 بالتالي فمن التبسيط اعتبار أن نقل بعض المنشآت الحكومية إلى العاصمة الجديدة بمثابة قرارات إدارية تتعلق بالتخطيط العمراني، فنقل هذه المنشآت يجعلنا نطرح سؤالا حول السلطة وماذا ترى في نفسها حين تعيد رسم الجغرافيا؟ وكيف تتحول الأمكنة من أرض لممارسة الحكم إلى أداة من أدوات إعادة انتاج الهيمنة والسلطة؟

فالمكان والجغرافيا عموما لا يمكن فصلها عن البنى الاجتماعية والاقتصادية، فالدولة ليست محايدة ولا معلقة بالهواء ولا تتحرك في فراغ، ومن ثم، فهي تعيد تشكيل العمران وفقا لشبكات المصالح وعلاقات القوة المرتكزة عليه، فالعمران لا يعكس حاجيات المجتمع وفقط، إنما يعكس الطريقة التي ترى السلطة كيف تسيطر على المجتمع وتدير التناقضات داخله.

وبطبيعة الحال، هناك عمران يكون الباعث عليه إنجاز حاجيات المجتمع وتوسعه وفقا لمطالب السكان، وهناك عمران يكون الأصل فيه أن جزءا من مشروع سياسي، في ظاهره بناء الطرق والكباري والمدن الجديدة وفى باطنه إعادة توزيع السلطة وتحديد أصحاب الحظوة والمقربين من دائرة صنع القرار وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فيصير البناء تكثيفا ماديا عن تصورات سياسية.

ما حدث منذ ايام بنقل بعض المؤسسات إلى العاصمة الجديدة ليس أمرا مبتدعا وجديدا، فالدول عبر العصور استخدمت المكان والجغرافيا لتأكيد سيادتها وإظهار القوة والهيبة واعادة إنتاج وتنظيم المجال الذي تمارس فيه السلطة، إلا أن ذلك يكون له دلالاته السياسية حين يحدث في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية متراجعة، وهنا يتبادر للأذهان الظرف الذي دعا الى إعادة تعريف المكان أصلا.

ففي التحليل المادي للتاريخ، الدولة لا تتحرك منفصلة عن الشروط الموضوعية الاقتصادية والاجتماعية التي تنتجها. وحين تتعرض هذه الشروط لتناقضات واختلالات فيظهر سؤال الشرعية ملحا، فكما تؤثر الأزمات الاقتصادية على مستوى المعيشة، فهي كذلك تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية، وتدفع السلطة إلى البحث عن صيغ لتأكيد حضورها وإعادة إنتاج نفسها، ومن هنا تصبح الجغرافيا كالقانون باعتبارهما من الأدوات التي تتبناها السلطة لإعادة تنظيم المجال الذي تمارس فيه السلطة سيادتها.

عادة، لا أحب المقاربات التاريخية، فلكل لحظه تاريخية سياقاتها وظرفها، ولكن قذفت إلى الذاكرة مقاربة تاريخية لعلها تستحق التأمل، ففي أواخر دولة المماليك البرجية شهدت ضغوطا اقتصادية كبيرة وتحولات كبرى في طرق التجارة فضلا عن الصراعات بين الأمراء، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على إدارة التناقضات والمحافظة على التوازنات المتوارثة.

في تلك اللحظة، عملت دولة المماليك البرجية إلى الخروج من القاهرة التاريخية في اتجاه الصحراء والتي أطلق عليها فيما بعد صحراء المماليك، كان خروجا يبدو وكأنه رغبة في التوسع العمراني والحضري إلا أنه كان لرغبة السلطة آنذاك في إعادة إنتاج نفسها وهيبتها وتنظيم مؤسساتها، وذلك بالاعتماد على المكان بوصفه توزيعا للسلطة وتأطيرا للمسافات وتحديدا لمن يملك إمكانية الوصول إلى العاصمة الجديدة وتجفيف التناقضات داخلها مما يحد من إمكانية التمرد، وفى الاخير إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.

الدولة ليست جهازا إداريا، فهي جزء من البنى التي تعيد انتاج النظام الاجتماعي السائد، فالعمران ليس محايدا أو بريئا من التسييس، فهو أداة من أدوات إعادة إنتاج الهيمنة، الا أن البعض قد يتناسى دروس التاريخ، فقد تستطيع السلطة رسم الجغرافيا ونقل المؤسسات وتشيد ما تريد من عواصم جديدة يتصدرها أبنية ضخمة وعالية ومسورة تعكس هيبتها وقدرتها على الفعل، إلا أن جميع هذه الممارسات تعمل داخل أزمات بنيوية لها جذر اقتصادي واجتماعي وسياسي، واعاده تشكيل الجغرافيا لن يستطيع معالجتها إنما تأجيلها على الأكثر.
-----------------------------
بقلم: محمد الخولي

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:32
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
27.2°C
توقعات الساعات القادمة
27.2°C
26.3°C
25.5°C
24.8°C
24.1°C
23.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,000ج.م
عيار 21
6,125ج.م
عيار 18
5,250ج.م
الجنيه الذهب
49,000ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...