العربدة الصهيونية في المنطقة العربية | فلسطين معيار العدالة في النظام الإقليمي
لا شيء يكشف طبيعة القوة في الشرق الأوسط كما تكشفها اللحظات التي تتقاطع فيها البنادق مع الدبلوماسية. والمنطقة اليوم تعيش واحدة من أكثر مراحلها سيولةً واضطراباً منذ عقود، حيث تتقاطع العربدة الصهيونية مع شبكةٍ كثيفة من التوازنات الإقليمية، والتحولات الدولية، وحروب الوكالة التي تُعيد رسم خرائط النفوذ.
الصهيونية السياسية والعسكرية تتحرك هذه الأيام بالكثير من الأقنعة. الغارات على غزة والضفة والجنوب اللبناني مستمرة، ورائحة التهديد تمتد حتى سوريا والعراق. تل أبيب تتصرف باعتبارها في "موسم مطاردة مفتوح"، تُطلق فيه النار وتطلب من الآخرين التسليم بأن الحرائق جزءٌ من شروط اللعبة. هذا الأسلوب ليس مجرد تجاوزٍ ظرفي؛ هو محاولة لفرض معادلة جديدة: إسرائيل وحدها تحدد قواعد الاشتباك، وعلى الجميع التكيّف مع مزاجها الأمني.
في المقابل، المشهد العربي يتأرجح بين أنظمة تحاول ضبط إيقاعها الداخلي وسط أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، وقوى إقليمية صاعدة تستفيد من انشغال العالم بصراعات كبرى، مثل الحرب الباردة الناعمة بين واشنطن وبكين. بعض الدول العربية تحاول فتح قنوات تهدئة مع تل أبيب، بينما تواصل شعوبها الدفاع عن فلسطين بوصفها القضية التي تستعصي على المحو. التناقض بين الموقف الرسمي والوجدان الشعبي صار أكثر فجاجة من أي وقت مضى.
الحركات الفلسطينية نفسها تقف على أرض تتشقق تحت قدميها: مفاوضات متعثرة، تتعرض لضغط غير مسبوق، وقطاع مدمّر، وضفة تشتعل على نحو متقطع. الصراع لم يعد داخل حدود فلسطين وحدها؛ امتداده الإقليمي أصبح حقيقة يومية. ما يجري في البحر الأحمر، في الحدود اللبنانية، وفي مسارات التمدد الإيراني – الإسرائيلي، ليس أحداثاً منفصلة، بل حلقات في صراع واحد يُعاد تشكيله.
على الضفة الأخرى من الخريطة، القوى الكبرى تتعامل مع الشرق الأوسط ببرودٍ مُصطنع. واشنطن تحاول هندسة "سلام بالقوة"، بينما موسكو وبكين تستثمران في الشقوق التي تركتها الولايات المتحدة. وهكذا يتحول الشرق الأوسط إلى رقعة شطرنج تُحرك فيها قطع صغيرة، لكنها تطيح بمدن كاملة.
في هذا الخليط المربك، العربدة الصهيونية ليست مجرد فعل عدواني، بل جزء من مشروع طويل لتثبيت إسرائيل باعتبارها مركز ثقل في المنطقة، ومحورًا لتحالفات أمنية واقتصادية جديدة. لكن هذا المشروع يصطدم بعنصرٍ عصيّ على الإخضاع: الذاكرة العربية، التي ما زالت تحفظ الحقيقة البسيطة بأن فلسطين ليست مجرد قضية، بل معيار لعدالة النظام الإقليمي نفسه.
المشهد مرشح لمزيد من التوتر. النار تحت الرماد، والشرق الأوسط يواصل الدوران في دائرة صراع لم يعد قابلاً للطيّ. البحث عن توازن جديد لا يزال جارياً، لكن العربدة الصهيونية تذكّر في كل يوم بأن المعادلة لم تُكتب بعد، وأن الصراع لا يزال في طوره المفتوح، ينتظر الجملة التالية في قصة لم تكتمل.
المسار القادم قد يتخذ شكل تسويات مضطربة، أو مواجهات أوسع، أو شيء بين الاثنين. ما هو مؤكد أن المنطقة تُعاد كتابتها الآن، باباً وراء باب، وتبقى فلسطين البوصلة التي تكشف اتجاه الريح لكل ما يحدث.
----------------------------------
بقلم: حاتم نظمي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"
لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري