العراق بين الأزمة وخيارات النجاة: كيف يمكن تحويل التحديات إلى فرصة للإصلاح؟
يمر العراق بمرحلة دقيقة سياسياً واقتصادياً، في ظل مؤشرات تدعو إلى القلق بشأن قدرة الدولة على الاستمرار بالنهج المالي والإداري الذي ساد خلال السنوات الماضية. وإذا صحت التقديرات التي تتحدث عن ضغوط مالية قد تؤثر في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، ولا سيما رواتب الموظفين والمتقاعدين، فإن البلاد ستكون أمام تحدٍ استثنائي قد تنعكس آثاره على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
لسنا في وارد تبادل الاتهامات أو تسجيل المواقف السياسية، بل إلى طرح سؤال يهم جميع العراقيين: كيف يمكن للدولة أن تتجاوز هذه الأزمة وتحولها إلى نقطة انطلاق نحو إصلاح حقيقي؟
لقد أظهرت التجربة السياسية التي أعقبت عام 2003 أن بناء الدولة واجه تحديات متراكمة، من أبرزها نظام المحاصصة، وضعف المؤسسات، واستمرار الفساد الإداري والمالي، والاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية. ومع مرور الوقت، تراكمت هذه الاختلالات حتى أصبحت تمثل تحدياً مباشراً للاستقرار الاقتصادي ولقدرة الدولة على الاستجابة للأزمات.
إن أي اضطراب في صرف الرواتب، لن يقتصر أثره على الموظفين والمتقاعدين، بل سيمتد إلى الأسواق والقطاع المصرفي والاستثمار والعقارات، لأن جانباً كبيراً من النشاط الاقتصادي في العراق يعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الإنفاق الحكومي. ولهذا فإن الأزمة المالية، إذا لم تُحتوَ سريعاً، قد تتحول إلى أزمة اجتماعية واقتصادية، وربما أمنية.
ويواجه الاقتصاد العراقي مشكلة هيكلية تتمثل في تضخم الإنفاق التشغيلي، ولا سيما الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، مقابل محدودية الإيرادات غير النفطية. وهذا الواقع يؤكد أن الحلول المؤقتة لم تعد كافية، وأن الحاجة أصبحت ملحة لإصلاح اقتصادي شامل يعالج جذور المشكلة بدلاً من تأجيلها.
وعلى المستوى السياسي، أثبتت التجارب أن استقرار الدول لا يتحقق إلا بوجود مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وإدارة عامة كفوءة، وسياسات اقتصادية واضحة تستند إلى التخطيط لا إلى ردود الأفعال. كما أن تهميش الخبرات الوطنية وعدم الاستفادة الكافية من الجامعات ومراكز البحوث والخبراء حرم صانع القرار من أدوات مهمة في رسم السياسات العامة وتقييم آثارها.
أما في السياسة الخارجية، فإن العراق بحاجة إلى ترسيخ نهج علمي يحافظ على مصالحه الوطنية، فالعلاقات مع دول الجوار مهمة، وخاصة مع ايران التي بنت تجربة متميزة في إدارة أزماتها السياسية والاقتصادية ولديها شركات بخبرة كبيرة وتناسب أوضاع العراق وحاجته .أما الاستفادة من الشركاء الدوليين، فينبغي أن تقوم على أساس المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، وصون السيادة الوطنية وليس شروط الإملاء والتدخل بالشأن الداخلي ..
غير أن تشخيص الأزمة، مهما كان دقيقاً، لا يكفي ما لم يقترن برؤية عملية للإصلاح. ومن هنا يمكن طرح عدد من الأولويات الوطنية التي تستحق أن تكون محوراً لأي برنامج حكومي أو توافق سياسي.
أولى هذه الأولويات تتمثل في حماية الاستقرار المالي من خلال ضمان تمويل الرواتب والالتزامات الأساسية، مع مراجعة الإنفاق العام وترشيده، وتأجيل المشاريع غير ذات الأولوية عند الضرورة، بما يحافظ على التوازن المالي ويحد من الضغوط على الموازنة.
وثانيها العمل الجاد على تنويع مصادر الدخل الوطني، عبر تطوير قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات، وتحسين إدارة الضرائب والرسوم والمنافذ الحدودية، بما يزيد الإيرادات غير النفطية ويقلل من الاعتماد المفرط على أسعار النفط وتقلباتها.
أما الأولوية الثالثة فتتمثل في إطلاق إصلاح إداري ومؤسسي حقيقي يقوم على الكفاءة والشفافية، ويعزز استقلال الأجهزة الرقابية، ويوسع استخدام الحكومة الإلكترونية، ويحد من الهدر والفساد، لأن نجاح أي إصلاح اقتصادي يبقى مرتبطاً بكفاءة مؤسسات الدولة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي توفير بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، عبر تحديث التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وتوفير الضمانات القانونية، بما يسهم في خلق فرص عمل حقيقية ويمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في قيادة النمو الاقتصادي.
كما أن الاستثمار في الإنسان العراقي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي مشروع إصلاحي، من خلال تطوير التعليم، وربط مخرجاته باحتياجات سوق العمل، ودعم البحث العلمي، والاستفادة من الخبرات والكفاءات الوطنية في الداخل والخارج.
إن إنقاذ العراق لا يمكن أن يكون مسؤولية حكومة أو حزب أو تيار سياسي بمفرده، بل هو مشروع وطني يتطلب تعاون السلطات الدستورية والقوى السياسية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والنخب الأكاديمية، على أساس رؤية مشتركة تضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الفئوية والآنية.
ورغم حجم التحديات، فإن العراق يمتلك مقومات كبيرة للنهوض؛ فهو يملك ثروات طبيعية واسعة، وموقعاً جغرافياً مهماً، وطاقات بشرية وكفاءات علمية قادرة على الإسهام في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة. لكن هذه الإمكانات لن تتحول إلى إنجازات ملموسة ما لم تُدار وفق سياسات رشيدة، وإرادة سياسية حقيقية، ومؤسسات فاعلة.
إن المرحلة الراهنة قد تكون من أصعب المراحل التي يواجهها العراق منذ سنوات، لكنها قد تكون أيضاً فرصة لإعادة النظر في مسار التنمية والإدارة العامة. فالأزمات، على قسوتها، كثيراً ما تكون نقطة البداية للإصلاح عندما تتوافر الشجاعة في اتخاذ القرار، والحكمة في إدارة الاختلاف، والإيمان بأن مستقبل العراق يستحق مشروعاً وطنياً جامعاً يعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن، ويؤسس لاقتصاد أكثر قوة، ومؤسسات أكثر كفاءة، ودولة أكثر استقراراً.
--------------------------------------
بقلم: د. محمود الهاشمي
* مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية ـ العراق
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري