الظل الأخضر
وقتها كنت بنت الثلاث سنوات التي لم تتعلم الكلام بعد ؛ لكنها كانت ترصد بعين الروح كل ما يدور حولها ؛ فتحت الباب بعنف وأيقظته ودموعي تنساب – أخي الكبير الذي يكبرني بخمس سنوات - :" اصح اللاجل إلي الناس بتحبه مات " ففتح عينيه في حال من التشكك والريبة ففاجأته "اللاجل إلي بيركب التياله " كان لساني لم يتعود نطق جمال عبد الناصر ،ولكن تعودت كاميرا الروح التقاط كل صورة كانت له ، هبَ أخي مرة واحدة منتصب الهامة غير مصدق, مهرولاً إلي مكان التليفزيون ليتأكد من صحة الخبر ، فعلا كان التليفزيون يعلن النبأ وصوراً لجمال عبد الناصر وهو يهبط من علي سلم الطائرة عائدا من آخر رحلة له لمعشوقته مصر، والجميع تختلط في حلوقهم المرارة بالغصة بالصراخ والعويل : " يا فرحتك يا إسرائيل " . كان الحب فطرياَ وبريئاً ، ولذلك كان حصى الأرض يحب جمال عبد الناصر . بعدها يخرج هذا المشهد من معبد القلب بنقوش الحب المصورة علي جدرانه كلما ذكر اسم جمال عبد الناصر . فهل رحل الحلم الناصري ؟
لم يرحل ابداً هذا الحلم بل يخرج كعنقاء الخلاص ننضوي تحت جناحيها الأخضرين المتلألئين نستظل بدفئهما كلما ضاق المشهد ، ظل الحلم في الوجدان الجمعي ، والدليل ما طالبنا به في ميدان التحرير من عدالة اجتماعية . فما الذي فعله جمال عبد الناصر؟ حقق العدالة الاجتماعية علي أرض الواقع بحزم وصدق ، فجعل لكل فلاح طينا تلمسه يداه المتشققتان فيمر طينه (أرضه الملك) بين شقوق يده المتعرجة من السخرة نهراً يداوي شقوق الروح . كان يحلم للفقراء ببيوت وحدائق ورواتب شهرية تحترم آدميتهم فينطلقون بعدما حققوا مطلب الجسد إلي مطلب الروح من ترقية للذوق بأغنية ذات معني ، أو فيلم هادف ، أو مسرح صاحب رسالة .
فما الذي حدث بعد كل هذه السنوات من التشويه والإقصاء للمشهد الناصري ؟ حُمِلت صورة جمال عبد الناصر لتعلو فوق الهامات في ميدان التحرير ، وبكينا مع أغاني الستينيات وتحمسنا ، كنا حلما يتجسد يمشي علي قدمين ، يفك قيود اللحظة ، وينطلق لسماء أبهي ، سماء جمال عبد الناصر ، كنا ساعتها نرفع شعار( كرامة حرية عدالة اجتماعية ) . وهل كان المشروع الناصري إلا تلك الشعارات الثلاث مجتمعة ؟
كان يكفي أيام جمال عبد الناصر أن تقول أنا مصري لتُصَافَح بنظرات الإجلال والتقدير من بني أرومتك العرب ، بل من العالم كله ومع إهدار كرامتنا لسنوات وسنوات أردنا استرجاع اللحظة في التحرير فكان الشعار " ارفع راسك فوق إنت مصري " . لنعود عملة من الماس نادرة الوجود في أقطار العالم .
ناصر كان مشروعاً حضارياً كاملاً . فالحضارة كما صورها ول ديورانت نظام اجتماعي يعين الانسان علي الزيادة من انتاجه الثقافي ، وهي تكاتف أربعة عناصر مجتمعة ، موارد اقتصادية ، نظم سياسية ، تقاليد خلقية ، ومتابعة العلوم والفنون . ألم نكن كذلك أيام ناصر فقد شُيدت مصانع ، وأُنيرت قري ، وبُني السد العالي ، وأُممت قناة السويس ، وعادت الحقوق إلي أصحابها ، وارتفع مستوي معيشة الفرد فتابعنا الفنون والعلوم ، وحتي لا يدخلنا أحد في مناورات الحروب ؛ فقد خضنا الحروب بشرف وكرامة لا نخاف أحداً بل كنا شوكة في حلوق الأعداء ، وعلي الرغم من كل تلك المعوقات الخارجية تحررت أنفسنا واندفعنا للابداع والانشاء . ولا أنسي التعليم الذي أسس لعظماء فكل في مجاله ومكانه من أمثال أحمد زويل ، ويحيي المشد ونبوية موسي وغيرهم كثير من رموز السياسة والشعر والنثر والصحافة .
فتحية للرجل ذي الظل الأخضر في يوم الثورة ، وقبلة علي جبين روحه الحية إذ كان الرجل الذي وافق قوله فعله فاستحق أن يحمل علي الأعناق حياً وميتاً . ورحم الله ناصر ومحمود درويش صاحبي الظل الأخضر، حين يقول محمود عن ناصر:
نرى صوتك الآن ملء الحناجر / زوابع /تلو / زوابع / نرى صدرك الآن متراس ثائر / ولافتة للشوارع / نراك / نراك / نراك
ففوق ضريحك ينبت قمح جديد / وينزل ماء جديد / وأنت ترانا / نسير / نسير / نسير
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
وسط البلد الباهر!
وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية
صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري