الصحافة في عيدها: من صناعة الوعي إلى مطاردة "الريتش"
لم يكن ما جرى في السنوات العشر الأخيرة مجرد تراجع في مستوى المحتوى الإعلامي، ولا يمكن اختزاله في ظاهرة “السوشيال ميديا” بوصفها سببًا جاهزًا لكل ما نراه من فوضى.
المسألة، في تقديري، أعمق من ذلك بكثير؛ فهي تمس تعريف الصحافة ذاته، ووظيفتها، وعلاقتها بالمجتمع الذي تُفترض أنها تعبّر عنه.
الصحافة، كما عرفناها في لحظات صعودها، لم تكن مجرد نقل للخبر، بل كانت محاولة لفهم العالم وإعادة ترتيبه في وعي القارئ.
كان الخبر بداية الحكاية، لا نهايتها، وكان العنوان بوابة إلى معنى، لا فخًا لاصطياد "الريتش".
الآن، نحن أمام انقلاب في هذه المعادلة: العنوان صار هو الحكاية، والمحتوى – إن وُجد – مجرد ذريعة.
في هذا المناخ، لم تعد مسألة الدقة أو التحقق هي موضع الاختبار الحقيقي، بل القدرة على الجذب، ولو بالاختلاق.
عناوين من نوع "ظهور مفاجئ لـ عادل إمام في جنازة فلان" لا تُكتب باعتبارها خطأ مهنيًا يمكن تصحيحه، بل باعتبارها منتجًا محسوبًا بدقة في اقتصاد "اللايكات"، ما يهم هو أن يُنقر العنوان، أما ما وراءه فمسألة ثانوية، أو مؤجلة إلى لحظة يكتشف فيها القارئ أنه كان طرفًا في خدعة صغيرة، تتكرر كل يوم حتى تفقد صفتها كخدعة.
في هذه الأجواء لم يكن من قبيل المصادفة أن تزدهر "صحافة الجنازات وإعلام الأفراح".
المسألة بوضوح أكثر، حين يضيق المجال العام، وتتراجع السياسة بوصفها موضوعًا مشروعًا للنقاش، تبحث المهنة عن بدائل منخفضة الكلفة وعالية الجاذبية.
تصبح المناسبات الاجتماعية، بما تحمله من شحنة عاطفية وصور جاهزة، مادة مثالية لملء الفراغ.
الكاميرا هنا لا تلاحق حدثًا بقدر ما تلاحق إمكانية تداوله، والاسم لا يُذكر لأنه حاضر، بل لأنه قابل للاستدعاء.
غير أن الاكتفاء بإدانة الإعلام بوصفه صانعًا للتفاهة يظل حكمًا ناقصًا.
الإعلام، في نهاية الأمر، لا يعمل في فراغ. هو جزء من بنية أوسع، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد بالثقافة.
انكماش المجال العام لا يحد فقط من سقف ما يمكن قوله، بل يحد أيضًا من نوعية ما يُطلب قوله.
ومع تحوّل النماذج الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، من الاعتماد على القيمة إلى الاعتماد على "الجذب"، يصبح من الطبيعي أن يُعاد تعريف النجاح المهني نفسه: ليس من يكتب أفضل، بل من يُشاهَد أكثر.
هكذا، تتشكل دائرة مغلقة: جمهور يُدفع تدريجيًا إلى استهلاك السهل والسريع، وإعلام يعيد إنتاج هذا الطلب ويضخّمه، حتى يبدو وكأنه الخيار الوحيد المتاح.
وفي هذه الدائرة، لا تختفي الصحافة الجادة تمامًا، لكنها تُدفع إلى الهامش، حيث تبقى موجودة من حيث الشكل، غائبة من حيث التأثير.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بتدهور المهنة، بل بتراجع البيئة التي كانت تسمح لها بأن تكون شيئًا مختلفًا.
ليست الأزمة أن الصحافة فقدت مهنيتها فحسب، بل أنها فقدت – إلى حد بعيد – شروط وجودها كقوة فاعلة في تشكيل الوعي العام.
وما نراه اليوم ليس نهاية الصحافة بقدر ما هو انتقالها إلى طور جديد، لا يزال يبحث عن معناه، أو ربما يؤجّل هذا البحث إلى أجل غير معلوم.
في يوم يُحتفى فيه بحرية الصحافة، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا: لم تعد المسألة فقط فيما يُسمح بنشره، بل فيما يستحق أن يُنشر أصلًا.
بين مهنة كانت تصنع الوعي، وممارسة باتت تطارد «الريتش»، لا يكون العيد مناسبة للاحتفال بقدر ما يكون لحظة مواجهة مع ما صارت إليه الصحافة، ومع ما تبقّى منها، وهو بكل أسف بائس ومحزن.
----------------------------------
بقلم: محمد حماد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري