الحكم العسكرى ومنهج القمع التاريخى
أحداث انتفاضة الشعب السودانى الأخيرة، تــُـثيرعدة تساؤلات..وبصفة خاصة بعد توقيع وثيقة الاتفاق بين المدنيين من (قوى التغيير) والمجلس العسكرى.. وإذا بالأخير يـُـسفرعن وجهه القمعى الصريح، بالتصدى للمتظاهرين بإطلاق الرصاص عليهم.. وقتل العشرات بخلاف الجرحى، لمجرّد أنّ هؤلاء المتظاهرين لديهم بعض التحفظات على وثيقة الاتفاق.. وبصفة خاصة ما يتعلق بالحصانة الممنوحة لأعضاء المجلس العسكرى، مما يعنى عدم محاكمتهم- أوحتى- مساءلتهم عن أية جرائم يرتكبونها فى حق الشعب السودانى.
وأعتقد أنّ ما حدث فى السودان هو تكرار لما حدث فى كل تجارب الحكم العسكرى فى كل دول العالم.. وعلى سبيل المثال التجربة المصرية، حيث طالب بعض الضباط الليبراليين بعودة قيادات حركة 23 يوليو 1952 إلى مواقعهم فى الجيش وترك الحكم للمدنيين، فأمر عبدالناصر بإعتقالهم.. وكان من بينهم الضابط الليبرالى حسنى الدمنهورى.. وذكرخالد محيى الدين أنه فى مساء الخميس 25 فبراير 54 أعلن صلاح سالم فى الإذاعة قبول استقالة نجيب.. وأنّ صلاح سالم قال فى الإذاعة أنه وضع نفسه فى السجن الحربى ((فقد أثار لدى الناس تعليقات مليئة بالسخرية.. وأنا نفسى كنتُ فى وسط البلد مساء الخميس.. وجدتُ الناس متجمعين أمام أحد المحلات يستمعون لخطاب صلاح سالم.. وعلـّق أحدهم قائلا ((دول طلعوا ولاد كلب)) وقال صلاح سالم أنّ أولاده هاجموه.. وأنّ خادمه مرّ على محلات العباسية ليشترى طلبات للمنزل لكن البائعين رفضوا أنْ يبيعوا له.. وأقارب زكريا محيى الدين (ابن عم خالد) هاجموه.. والضباط عامة ما إنْ نزلوا الشارع حتى ووجهوا برفض جماهيرى شامل وانتقادات حادة.. ولما ذهب عبدالناصر إلى سلاح المدرعات هاجمه الضباط بشدة.. ولم يستطع أنْ يكسبهم إلى صفه، بل لم يستطع أنْ يــُـقنع أحدًا منهم بموقفه (والآن أتكلم- مركز الأهرام للترجمة والنشر عام 1992 من ص254- 257) أى موقف عبدالناصر المُعادى للديمقراطية.. وقال عبدالناصر للضباط ((ياجماعة.. بصراحه كدا ما فيش حد مقتنع بعودة الديمقراطية والحياة النيابية إلا خالد (من 258- 261) وطالب الضابط أحمد المصرى بإلغاء الترقيات الاستئنائية بما يعنى عودة عبدالحكيم عامر إلى رتبة صاغ (عبدالناصر صعـّـده إلى رتبة لواء) وقال له ضابط آخر ((حضرتك جئت للمناقشة والتعرف على وجهات نظرنا أم لتحديد أشخاص معارضيك واعتقالهم؟)) وتحوّلتْ المناقشة إلى جلسة استجواب لتصرفات المجلس، خاصة المصروفات السرية. فلما دافع عبدالناصرعن نفسه.. ردّ عليه الضابط أحمد المصرى ((ولكنك مسؤول عن كل تصرف خاطىء يرتكبه أى واحد منهم)) ثم تحدث البعض عن استغلال الضباط لمناصبهم وعمليات الإثراء غير المشروع (وهذا الكلام فى مارس 54 أى قبل تمام عاميْن من سيطرة الضباط على الحكم- ط . ر) بخلاف اختلاس بعض أموال مقتنيات أسرة محمد على ونقل بعضها إلى منازل بعض الضباط وحملات الاعتقال الواسعة ضد الشيوعيين والإخوان.. وسأله الضابط محمود حجازى (ماهو تصور البكباشى عبدالناصر كمسؤول عن هذه التصرفات فى ظل غياب الديمقراطية.. وعن إحساس البعض بأنه لايمكن محاسبتهم فى ظل هذه الأوضاع البعيدة عن الحرية)) فقال عبدالناصر إنّ ((الشعب لايستطيع تحمل مسئولية الحرية)) فردّ عليه أحد الضباط ((لايمكن الحجر على الناس بحجة أنهم ليسوا أكفاء للاستمتاع بالحرية)) وعندما سمع عبد الناصر صوت الدبابات سقطتْ السيجارة من يده ((وظلّ يحفظها فى نفسه ولفترة طويلة عندما انتهتْ عاصفة مارس.. وبدأتْ مرحلة الانتقام ممن عارضوه)) (من265 – 274) وتم القبض على ضباط المدفعية.. وفى 18 يناير 53 شنّ الأمن حملة اعتقالات واسعة شملتْ 14 من قادة الأحزاب و39 شخصًا بتهمة الاتصال بجهات أجنبية و48 شيوعيًا أغلبهم (أو ربما) كلهم من حدتو (ص212) وكان مصير كل من يعترض من الضباط على سياسة عبدالناصر والمناصرين له الهلاك فقد ((تم القبض على عدد من الضباط وضربهم ضربًا مُبرحًا.. ومن سلاح الفرسان تم القبض على حسن الدمنهورى (اسمه لدى معظم المؤرخين حسنى وربما الخطأ غير مقصود) المعروف بتوجهاته الليبرالية ونقده لتصرفات الضباط الذين استولوا على السلطة. فكان رأيهم الحكم عليه بالإعدام. فلما اعترض خالد قال له صلاح سالم ((أرجوك وافق على الإعدام لكى نـُخيف الضباط.. وأعدك أنْ نطلب من نجيب عدم التصديق على الحكم)) وقضى حسنى الدمنهورى عشر سنوات فى السجن (ص225).
***
إنّ ما ذكرته عن جرائم عسكر يوليو 1952 مجرد أمثلة صغيرة من اعترافات الضباط الذين كتبوا مذكراتهم.. ودافعوا عن عبدالناصر أمثال خالد محيى الدين، أحمد حمروش.. وثروت عكاشة.. إلخ. ولكنهم تميـّـزوا بدرجة معقولة من الموضوعية، فذكروا الوقائع كما حدثتْ.. وهوما اعترف به خالد محيى الدين فكتب ((حشد عبدالناصر عددًا من الضباط حوله لرفض الديمقراطية، بحجة أنها ستقضى على (الثورة) كما أنّ عبدالناصر خطط ونفذ إضراب عمال النقل العام الذين هتفوا بسقوط الديمقراطية. واعترف عبدالناصر لخالد بالواقعة قائلا ((لما لقيتْ المسألة موش نافعه قررت أتحرك وقد كلفنى الأمر أربعة آلاف جنيه.. وقال: إما الثورة وأما الديمقراطية)) (من289- 309) وما لم يُعلق عليه خالد أنّ مبلغ الأربعة آلاف جنيه تم صرفهم من خزانة الدولة.. وليس من جيب عبدالناصر.
***
وأعتقد أنّ ما يحدث فى السودان من المجلس العسكرى ضد إرادة الشعب، هوتكرار كربونى لكل تجارب الأنظمة العسكرية.. وبينما استمر حكم العسكر فى مصر من يوليو 1952 حتى 2019 (67سنة) فإنّ الشعب اليونانى لم يحتمل حكم العسكر أكثر من 8سنوات، حيث فرض الدكتاتور (جورج بابادوبوليس) الحكم العسكرى على شعبه فى إبريل 1967 حتى ثار عليه الشعب عام 1974 (ثورة ديمقراطية/مدنية/ سلمية) نجحتْ فى اعتقال الجنرالات.. ومحاكمة رئيس الانقلاب العسكرى (جورج بابادوبوليس) بتهمة خيانة الوطن اليونانى.. وصدر الحكم عليه بالسجن المؤبد.. وذلك نظرًا لظروفه الصحية، حيث كان يـُـعانى من مرض السرطان. فإلى متى سيتحمل السودانيون حكم العسكر المعتمدين على مرتزقة من الجنجويد؟ الذين عرّفهم الكاتب السودانى عبدالرحمن عوض بأنّ الكلمة مأخوذة من قاطع طريق من عرب دارفور اسمه حامد جنجويد قام بالحرابة مع عصابته ضد القرى الإفريقية من حرق ونهب عام 1885.. ولما نشأ تحالف بين37 قبيلة عربية فى دارفورعام 87 إتهمتْ الحركة الشعبية لتحريرالسودان حكومات الصادق المهدى والبشير برعاية هذه القبائل العربية. فبثت هذه القبائل الرعب فى قلوب الأطفال والنساء الأفارقة (صحيفة القاهرة5/2/2008)
-----------------------
بقلم: طلعت رضوان
** المقال يتناقض مع السياسة التحريرية للصحيفة .. والمشهد تنشره إيمانا منها بحرية الجميع في نشر آرائهم
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار
- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري