الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 22.7°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الحاج علَّام أبو جَميل.. والراء المشاكسة!

الحاج علَّام أبو جَميل.. والراء المشاكسة!

شرعتُ منذ فترة في سردِ بعض المواقف والذكريات مع شخصيات، كان لها أثرٌ في حياتي الشخصية، فضلا عن غيري، وأرى أنّه لا مانع أبدا من سرد بعض المواقف مع أشخاص تجمعُني بهم صلةُ قرابة، ولن يكون هذا انحيازا أبدا؛ لأن العبرة بالموقف سواء كان الشخصُ قريبا أو غيرَ قريب .

قَلِّبْ الصِّلةَ، حيثما شئت، فستعلم أنّه ابن خالتي وابن خالي معا ـ رحم الله الجميع، وطيَّب ثراهم - فقد مضوا إلي وجه الكريم، وتركوا سيرة تُذكر، وأخلاقا تُدرَّس في الطيبة والكرم والعطاء بسخاء وبطيب نفس، دون إكراه، أو بُغية الرياء .

الحاج علام أبو جَميل، ناظر محطة سكة حديد بنها، هو الابن الوحيد للحاج أبو جميل علام، والذي نال من عطف أبيه، وتدليل أمه مالم ينله الكثيرون من أبناء جيله، فنشأ مُترفا في النعيم على خلاف كثيرٍ من أبناء جيله، ممن عانوا الفقر والحرمان، وألهبت بطونهم مرارةُ الجوع .

شكى الولد لأبيه يوما من طول المسافة بين بيته ومدرسته، وأنّه بحاجة إلي (درَّاجة) سبق، تُهوّن عليه مشقةَ الرحلة، وتوفّر له الوقت الضائع سيرا علي الأقدام من وإلى المدرسة، وهو ما سيستغله ـ قطعا ـ في مذاكرة دروسه .

على التوِّ، استجاب الوالدُ لطلب ابنه الوحيد، واشترى له دراجة، دون تفكير، ولِمَ التفكيرُ، وهو ابنه الوحيد، الذي جاءه على شوق، كحبيبٍ أتى علي فاقة، ومن ثمَّ فكلُّ طلباته أوامر، حتى ولو طلبَ لبن العصفور، فلن يتوانى الأب في إحضاره، وإن كان في بلاد (تركب الأفيال)، أو جزر (الواق واق) .

جيء لعلام بالدراجة، واعتاد أن يستقلّها، ويجوبَ بها طرقات القرية النائمة في صمت مطبق، خاصة وقت القيلولة بشمسه المحرقة أيام الصيف القائظ؛ لقضاء مصالحه، فضلا عن استخدامها في الذهاب والعودة من وإلى مدرسته بمدينة بنها .

لم يفكّر علام، كيف وفَّر له والده ثمن الدراجة، التي تميّز بها عن أقرانه، ممن يقطعون رحلتهم سيرا علي الأقدام، بل إنهم كانوا يتأبطون أحذيتهم جيئة وذهابا؛ خشية أن تهترئ من طول الطريق !

خرج علام بدراجته الجديدة، يتريض بين أشجار الكافور والجزورين يوما، وكان التحدي بينه، وبين أقرانه أن يجتاز بالدراجة المطبات، وهو على سرعته، دون إبطاء، وبلا سقوط، وأن يعبرَ (جداول) المياه، التي تقطع الطرق بلا توقف، فشاهده أبوه يوما، وهو يخوض غمار هذا التحدي، ويقتفي أثر (الجداول) لاجتيازها وكسبِ الرهان، دون خوف من تحطم الدراحة؛ نتيجة اصطدامها بالأرض، فناداه، وقد دمعت عيناه من الحزن وهو كظيم: (لو عرفتَ كيف وفرتُ لك ثمنها كنت رحمتها) !

أثَّرت الكلمةُ في نفس الولد، وقطع على نفسه عهدا بأن يمشي الهويني، ويتفادى الحفر والمطبات؛ رحمة بأبيه المسكين، وحقا: (العبدُ يُقرعُ بالعصا، والحرُّ تكفيه الإشارة) .

كان بين الحاج علام ـ رحمه الله ـ وبين حرف (الراء) ثأرٌ (بايت)، إذ كان ينطقها ياء، وهو ما جعله، يتفاداها في معظم كلماته، ولا يلجأ إليها إلا اضطرارا.

في زيارة له وجدتُه، وقد اغرورقتْ عيناه بالدمع، فسألته عن السبب، فقال مُتعجِّبا، وهو يضربُ كفَّا بكف: ترك أولادي كلَّ الأسماء، ولم يختاروا لحفيدتيَّ سوى اسمي (يانا، وياوان)، يقصد (رنا وروان)، فقلت له: يعني، يسمون لك لواحظ وجمالات؛ حتى يرضوك يا عم الحاج، وحِّد الله في قلبك، وقل يارب، فقال (يايب)، يقصد يارب، فضحك وضحكتُ معه .

كان الفقيد رحمه الله سبَّاقا في عمل الواجب، غير متوانٍ في مشاركة أهله وأقاربه وجيرانه في أفراحهم وأتراحهم .

حباه الله بسطة في الجسم، جعلته زينة المجالس، ومحطَ أنظار الجميع، فإليه تنتهي الكلمة، وإذا قال، يُسمَع له؛ ثقة في رأيه، وطيبة قلبه .

امتاز الفقيدُ برجاحة عقله، وشدة أمانته، فكان موضع ثقة الآخرين، ومُستودعَ أسرارهم، ومقصدهم في الرأي والمشورة، ومن هؤلاء ـ أقول وبصوت عال ـ زوجتي، وأم أولادي، التي تحبه حبّا جمّا !

حرص الرجلُ على العمل الخيري، فأسس بفضل علاقاته الواسعة مُستوصفا طبيا بمبنى السكة الحديد ببنها، قدّم العديد من الخدمات العلاجية، والجراحات البسيطة للمحتاجين، كما شارك في عمل جمعية استهلاكية، تقدّم السلع التموينية بأسعار مُخفضة .

كان مكتبُه بالمحطة، وبيتُه مقصدَ كلَّ من يُولّي وجهه شطر مدينة بنها لقضاء مصلحة، فتُكرَم ضيافتُه، وتُمدُّ له يدُ العون .

أنعم الله على الفقيد بذرية طيبة، سارت على نهج أبيهم كرما وعطاء وبشاشة وجه .

رحم الله الفقيد، وأجزل له المثوبة، وبارك في ذريته وأحفاده، حتى وإن شملت أسماؤهم حرفَ الراء المشاكس .

(من غٌواية السيرة الذاتية)
----------------------------------
بقلم: صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام
 

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:18
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
21.5°C
توقعات الساعات القادمة
21.5°C
20.6°C
20.0°C
19.5°C
18.8°C
18.3°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,120ج.م
عيار 21
6,230ج.م
عيار 18
5,340ج.م
الجنيه الذهب
49,840ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...