التأمينات بين نظامين: عندما تتحول الرقمنة إلى أزمة… يحين وقت التدخل والمحاسبة
لم تعد أزمة “السيستم” في الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية مجرد عثرة تقنية عابرة، بل تحولت إلى نموذج صارخ لكيف يمكن لسوء الإدارة وغياب التخطيط أن يحولا مشروعًا يفترض أنه للتطوير إلى مصدر معاناة يومية للمواطنين.
فعلى مدار ما يقرب من ثلاثة أشهر منذ إدخال نظام (CRM) في 24/2/2026، ثبت عمليًا - وبما لا يدع مجالًا للشك - فشل التطبيق في تحقيق الحد الأدنى من الكفاءة المطلوبة، سواء من حيث الدقة أو السرعة. وقد جاء ذلك نتيجة قرارات غير مدروسة، وغياب الاستماع لخبرات تراكمت داخل الهيئة لعقود، فضلًا عن الدفع بنظام غير مُختبر إلى بيئة تشغيل فعلية دون وجود بدائل جاهزة.
الأخطر من ذلك كان إيقاف النظام القديم (CICS)، الذي كان يعمل بكفاءة، ويؤدي وظائفه الحيوية من تسجيل الاشتراكات، وصرف المعاشات، وإجراء التعديلات، والربط الشهري، وإنهاء معاملات المواطنين، وهو نظام تم تطويره باستثمارات قاربت 580 مليون جنيه. في المقابل، تم تحميل الهيئة تكلفة نظام جديد تجاوزت مليارًا وأربعمائة مليون جنيه، دون أن يثبت حتى الآن قدرته على تحمل أعباء التشغيل الفعلي.
ما يجري الآن على أرض الواقع هو تراجع صريح إلى أساليب العمل اليدوي، ثم إعادة إدخال البيانات إلى الحاسب من خلال ثلاث مجموعات عمل، اثنتان لحساب المعاشات يدويا وادخالها للحاسب أولها فى لاظوغلى والثانية فى الألفى وبضمان عناصر لم يسبق لها العمل فى مجال المعاشات مما سيؤدى لعدم دقة الحساب ، والثالثة للتغطية التأمينية بالعاصمة الادارية ، بما يمثل انتكاسة حقيقية لمسار الرقمنة، وتجاهلًا لجهود تاريخية بدأت منذ الثمانينيات، فضلًا عن تعارضه مع توجهات الدولة نحو التحول الرقمي.
بل إن المؤشرات الفنية تكشف عن عيوب جوهرية في تصميم النظام الجديد، أبرزها عدم قدرته على استيعاب أكثر من 150 مستخدمًا في وقت واحد، رغم أن عدد النهايات الطرفية يقارب ثلاثة آلاف، وهو ما أدى إلى تعطيل واسع النطاق في الأداء، واضطرار الهيئة لتشكيل مجموعات عمل يدوية في مواقع مختلفة، بعضها يضم عناصر غير متخصصة.
وفي ظل هذا المشهد، تتردد معلومات عن محاولات “تجميل” النتائج عبر نسخ مخرجات النظام القديم وإعادة تقديمها من خلال النظام الجديد، وكأنها إنجاز يُحسب له، وهو ما يمثل خطورة بالغة لأنه يستبدل الحلول الحقيقية بمعالجات شكلية لا تصمد أمام الواقع.
خريطة طريق للخروج من الأزمة
إن استمرار هذا الوضع يعني مزيدًا من معاناة المواطنين وتراكم الغضب، ومن ثم فإن التدخل العاجل أصبح ضرورة، وليس خيارًا. ويمكن طرح مجموعة من الخطوات العملية القابلة للتنفيذ:
أولًا: التأكد من جاهزية واستمرارية مراكز المعلومات بالمناطق والمكاتب التأمينية ، والعمل على إعادة تشغيلها بكامل طاقتها.
ثانيًا: إعادة تشغيل نظام (CICS) تدريجيًا، وإعادة تفعيل الأنظمة القديمة نظامًا تلو الآخر، بما يضمن استيعاب ضغط المعاملات وامتصاص غضب المتعاملين، خاصة من المقاولين وأصحاب الأعمال وقطاع السيارات وأصحاب المعاشات وذويهم .
ثالثًا: قصر استخدام النظام الجديد في الوقت الحالي على الشؤون الإدارية، لحين إثبات كفاءته الفنية في بيئة محدودة.
رابعًا: الحفاظ الكامل على قواعد البيانات والمستندات منذ تاريخ إيقاف النظام القديم، وتشكيل مجموعات عمل فنية متخصصة لكل نظام لضمان سلامة الانتقال وعدم فقدان البيانات.
خامسًا: دراسة تخصيص النظام الجديد للقطاع الحكومي كمرحلة أولى، نظرًا لسهولة السيطرة عليه، ومركزية ملفاته داخل الوزارات والهيئات، وقلة عدد الأنظمة المستخدمة، مما يسمح بتحقيق نتائج سريعة وقابلة للقياس.
سادسًا: رفض أي حلول شكلية من قبيل نقل أو “نسخ” مخرجات النظام القديم إلى الجديد لإظهار نجاح غير حقيقي، والالتزام فقط بنتائج تشغيل فعلية تعكس كفاءة النظام.
رسالة إلى المسؤولين: حان وقت القرار
إن ما يحدث اليوم لم يعد يحتمل التأجيل أو المعالجة الجزئية. فالقضية لم تعد تقنية فقط، بل تمس ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وتمس حقوقًا مالية واجتماعية لملايين المصريين تؤثر فى حياتهم اليومية دون ذنب فعلوه .
لقد مُنحت الإدارة الفرصة الكافية، واستمرار الوضع الحالي دون مراجعة جادة يعني تحميل الدولة والمجتمع تكلفة أكبر يومًا بعد يوم. ومن ثم، فإن اللحظة الراهنة تستوجب تدخلًا حاسمًا، يقوم على التقييم الموضوعي، والمحاسبة العادلة، والاستعانة الحقيقية بالخبرات، لا تهميشها.
إن إنقاذ منظومة التأمينات ليس خيارًا إداريًا، بل واجب وطني.
وحان الوقت لاتخاذ القرار الصحيح… قبل أن تتحول الأزمة إلى ما هو أخطر.
------------------------------
بقلم: كامل السيد
* خبير التأمينات والمعاشات
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية
صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار
- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري