الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 24.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي
البلطجة الأمريكية… قرصنة العصر الحديث

البلطجة الأمريكية… قرصنة العصر الحديث

لم يعد العالم يُدار بالقانون، ولا تحكمه مواثيق الأمم، ولا تضبطه قواعد العدالة الدولية. ما نعيشه اليوم هو مرحلة الانكشاف الكامل: انكشاف نظام عالمي يقوم على البلطجة، ويفرض إرادته بالقوة، ويكسر الدول كما تُكسر العصي، ويقود البشرية، بوعي أو بتهور، نحو حرب عالمية ثالثة قد تكون الأخيرة.

الولايات المتحدة لم تعد تمارس السياسة، بل تمارس القرصنة الدولية. قرصنة للثروات، قرصنة للقرار الوطني، قرصنة لإرادة الشعوب. من يطيع يُكافأ، ومن يعترض يُحاصر، ومن يصمد يُدمَّر. هذه هي القاعدة غير المكتوبة التي تحكم العالم اليوم.

فنزويلا كانت جريمة مكتملة الأركان. دولة ذات سيادة قررت أن تقول: ثروتنا لشعبنا، وقرارنا بأيدينا. فجاء الرد الأمريكي بلا مواربة: حصار اقتصادي خانق، تجفيف للعملة، خنق الغذاء والدواء، حرب نفسية وإعلامية، ومحاولة علنية لنزع الشرعية عن رئيس منتخب وفرض بديل مصنّع، في سابقة خطيرة تعني ببساطة أن واشنطن تنصّب وتعزل رؤساء الدول متى شاءت. هذا ليس خلافًا سياسيًا، بل سطو مسلح على سيادة دولة.

ومن لم يفهم معنى فنزويلا، فليفهمه في فلسطين. هنا لا حصار فقط، بل إبادة. لا ضغط سياسي، بل شراكة مباشرة في الجريمة. احتلال يقتل بلا رادع، يدمر بلا حساب، يحاصر شعبًا كاملًا حتى الموت البطيء، وأمريكا تقف خلفه بالسلاح والمال والفيتو. تُقتل العائلات، تُمحى المدن، يُدفن الأطفال تحت الركام، ثم يخرج الخطاب الأمريكي ليحدثنا عن “القيم”. فلسطين اليوم ليست فقط جرحًا مفتوحًا، بل شهادة وفاة أخلاق النظام العالمي.

في لبنان، تأخذ البلطجة شكلًا أكثر دهاءً. لا دبابات، بل بنوك. لا قصف، بل انهيار عملة. لا احتلال مباشر، بل تجويع منظم. تُستخدم معاناة الناس كسلاح سياسي، ويُدفع المجتمع نحو الانفجار، لأن الجوع أداة أنجع من الرصاص حين يكون الهدف كسر الإرادة.

أما اليمن، فقد تحوّل إلى مقبرة مفتوحة للضمير الإنساني. سنوات من الحرب، حصار شامل، ملايين الجائعين، دمار لا يُقاس، وصمت دولي مُخزٍ. أمريكا هنا ليست مراقبًا، بل طرفًا داعمًا، يبيع السلاح، ويدير الصراع، ثم يتباكى على “الكارثة الإنسانية” التي كان شريكًا في صناعتها.

في السودان، تُدار الفوضى بدل حلّها. تُترك النار مشتعلة، لأن الدولة القوية لا تخدم مصالح الهيمنة. الدم يسيل، والخراب يتوسع، بينما تُحسب المصالح بهدوء. وفي العراق، كانت البلطجة صريحة: غزو، تدمير دولة، تفكيك مؤسسات، تمزيق مجتمع، ثم انسحاب شكلي وترك البلاد غارقة في الفوضى والفساد والتبعية.

ليبيا لم تكن خطأً ولا سوء تقدير. كانت نموذجًا متعمدًا: إسقاط دولة تحت شعار إنساني، ثم تركها تتفتت، لأن الدولة المستقرة خارج السيطرة خطر يجب إزالته.

وعلى المسرح الدولي، انفجرت الحرب الروسية – الأوكرانية لتكشف أن العالم دخل مرحلة اللاعودة. لم تعد الحرب استثناءً، بل أداة إدارة. سباق تسلح، استقطاب حاد، عسكرة الاقتصاد، وخطاب سياسي يدفع نحو المواجهة لا الحل. في آسيا، تتصاعد التوترات. في أفريقيا، تُشعل الصراعات حول الموارد. في كل مكان قواعد عسكرية، وأساطيل، واستعداد دائم للحرب. العالم يُدفع دفعًا نحو الانفجار.

كل هذه الجبهات ليست أحداثًا منفصلة، بل مشاهد في فيلم واحد، عنوانه: نظام عالمي مأزوم لا يعرف كيف يستمر إلا بالحرب. البلطجة الأمريكية ليست عرضًا جانبيًا، بل هي جوهر هذا النظام. نظام يعيش على نهب الثروات، وتفجير الصراعات، وتحويل الشعوب إلى وقود.

والضحايا دائمًا هم أنفسهم: العمال، الفقراء، الكادحون. تُهدر المليارات على السلاح، بينما يُسرق الخبز من أفواه الجائعين. تُرفع شعارات الحرية، بينما تُسحق إرادة الشعوب بالعقوبات والحصار والانقلابات الناعمة.

نقولها بوضوح لا يحتمل التأويل:

البلطجة الأمريكية خطر مباشر على مستقبل الإنسانية.

والصمت أمامها ليس حيادًا، بل تواطؤ.

المعركة اليوم ليست بين دول، بل بين مشروعين: مشروع الهيمنة والقرصنة والحرب، ومشروع التحرر والكرامة والعدالة الاجتماعية.

ودور الطبقة العاملة، وقوى التقدم، وكل الأحرار في العالم، أن يكسروا هذا الصمت، وأن يربطوا بين هذه الجرائم، وأن يدركوا أن مصير الشعوب واحد. فإما أن تنتصر إرادة الشعوب، أو تُترك البشرية رهينة لمحرقة كبرى لا تُبقي ولا تذر.

التاريخ لا يرحم الإمبراطوريات، ولا يخلّد القراصنة.

وما يُزرع اليوم من نار، سيحصد غدًا رمادًا.
---------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:51
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
23.7°C
توقعات الساعات القادمة
23.7°C
22.6°C
21.6°C
20.8°C
20.1°C
19.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر

أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...

مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,131ج.م
عيار 21
6,240ج.م
عيار 18
5,348ج.م
الجنيه الذهب
49,920ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...