الاسكندر له قرنان
كلما هلت ذكرى الهجرة الشريفة، أرى نفسي صبيا أسعى بعد صلاة الفجر، لأحضر من الحقول والحدائق بضع سعفات من البوص الأخضر المخضل بالندى.
كانت عادة سنوية ، حيث أرشق تلك السعفات في ثقوب الباب والنوافذ تيمنا بعام سعيد.
اختيار البوص له مغزى عميق في الوجدان الشعبي الموروث، فهو دائم الخضرة ، يوحى بالأبدية ، فلا يتخلص من أوراقه العريضة في خريف أو شتاء، كما أنه رمز للصلابة والتحمل، لا ينتظر رعاية أو ريا أو تسميدا، بل ينمو في أي مكان وزمان ، صامدا أمام الظروف المناخية: منتصب صيفا كأنه حارس المحاصيل، وعندما تهب الأعاصير، ينحني بدهاء لتمر من فوقه. كلما اجتث ربا وصار أكثر تماسكا وكثافة.
هذا النبات العجيب عاش معنا: كبارا وصغارا، فهو العمود الفقري للأسقف والأسيجة في الريف ، قبل الخرسانة والتطور العمراني،كما كانت تصنع منه الأكياب ، وهى حصائر للجلوس ومصدات للرياح.
لا غنى عنه كذلك في تجهيز الصنار، وصنع سلال الخضر ، ومأوى الكتاكيت، والمناقيش التي تشحن بالخيوط السميكة وترقع الشباك الممزقة.
البوص لم يغفل أصدقاءه من الأطفال،فجعلوه مزامير ونايات شجية، وهياكل للطائرات الورقية،ومحاور لدراجات بدائية من أغطية الكازوزة ، وعرائس للبنات.
ثمة نوع ينمو على شواطئ بحيرة البرلس القريبة يسمى "الريحى"، وهو أقل سمكا وصلابة من بوص الفلاحين، تستخدمه شركات الورق في صناعة اللباب، كما تستخدمه بحيرة مريوط في إقامة مستعمرات تلجأ إليها الأسماك.
قدم جماعة من الأغراب في السبعينات واستوطنوا قريتنا، فكانوا يذهبون فجرا في سيارات نقل ضخمة، ويعودون عصرا محملين بالبوص الريحى ، متجهين إلى شركة راكتا على مشارف الإسكندرية.
هؤلاء القوم اندمجوا في نسيج القرية ،وأدخلوا فيها عاداتهم في الطعام والغناء والملابس، من أبرز ما أضافوه ، بنطلونات للنساء من الكستور أو النهضة، يرتدينها تحت الأثواب.
من يومها اختفى التلصص على اللواتي يغسلن على شاطئ الترعة،فلم يعد ثمة أمل في رؤية كنوزهن، مع وجود البنطلون.
بقى نوع من البوص، قد لا يزرع في مناطقنا، لكن الصيادين يسعون خلفه، فيشترونه بأثمان غالية من محافظة الغربية، خاصة قرية " قرنشو" التي يجود فيها.
انه البوص الرومي الغليظ الذي يرتفع نحو خمسة أمتار في الهواء، ويصلح كمجاديف.
ولأنهم يدفعون فيه الكثير، فقد أصبح مطمعا ، فلم يجد الصيادون بدا من اصطحاب مجاديفهم فجرا، والعودة بها في العشية، تكاد تخرق أعين الماره.
لأن البوص يعيش بيننا، ويدخل بيوتنا وتاريخنا وقصصنا، فقد قبلته الأمثال الشعبية كأحد رموزها الهامة:
فالبنت النحيفة يقال إنها مثل البوصه،والمرأة الدميمة إذا تأنقت، يشار إليها : لبس البوصه تبقى عروسه.-
ورد في الميثولوجيا الإغريقية أن حلاق الاسكندر الأكبر، اكتشف قرنين على جانبي رأسه،ولما خشي أن يخبر مخلوقا بالسر، ثقل عليه حتى كاد يهلك، لكنه وجد ضالته في أجمة بوص، فهمس لها بما رآه واستراح،ولم يستطع البوص أيضا أن يتحمل ، فكلما حركته الريح، يخرج صوتا يقول:
-الاسكندر له قرنان
----------------------------
بقلم: سمير المنزلاوى
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار
- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية
صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري