الاحتلال الذي بدأ باللغة
لم يبدأ الاحتلال الإسرائيلي بالدبابة، بل بالكلمة.
قبل أن تُقسَّم الأرض، قُسِّمت الذاكرة.
وقبل أن تُهدم القرى، أُعيدت تسميتها.
إحياء العبرية لم يكن معجزة ثقافية، بل قرارًا سياسيًا.
لغة ميتة أُعيد بعثها لتكون أداة صهر وإقصاء،
ولكي يُقال لاحقًا هذه أرضنا لأن لغتنا هنا.
لم يكن الاحتلال الإسرائيلي حادثة عسكرية مفاجئة في عام 1948، بل نتيجة مسار طويل بدأ قبل ذلك بكثير، حين أدركت الحركة الصهيونية حقيقة بسيطة وخطيرة
الأرض لا تُؤخذ أولًا بالسلاح، بل تُمهَّد بالكلمات.
في فلسطين، جرى تنفيذ احتلال من نوع خاص؛ احتلال لم يكتفِ بالسيطرة على الجغرافيا، بل سعى منذ بدايته إلى السيطرة على الذاكرة والمعنى واللغة. فقبل أن تُرسم الحدود، أُعيد تعريف المكان، وقبل أن يُهجَّر الإنسان، جرى تفكيك لغته.
العبرية، التي كانت لقرون لغة دينية طقسية لا تُستخدم في الحياة اليومية، أُعيد إحياؤها أواخر القرن التاسع عشر ضمن مشروع سياسي واعٍ.
لم يكن ذلك بدافع ثقافي خالص، بل كجزء من بناء هوية استعمارية جديدة قادرة على صهر مهاجرين قادمين من عشرات اللغات والخلفيات في كيان واحد. اللغة هنا لم تكن وسيلة تواصل، بل أداة تشكيل.
إليعازر بن يهودا، الذي يُقدَّم كبطل لغوي في السردية الإسرائيلية، لم يعمل في فراغ.
مشروعه كان متشابكًا مع الصهيونية السياسية، ومع فكرة أن “الأمة” لا تقوم إلا بلغة موحّدة.
إحياء العبرية كان خطوة ضرورية لخلق “إسرائيلي جديد”، منفصل عن الشتات، ومتصل بأرض لم يكن يعيش عليها تاريخيًا.
في المقابل، كانت العربية، لغة فلسطين وأهلها، تُدفع تدريجيًا إلى الهامش.
ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تكن مدعومة بمشروع قوة. المدارس العبرية تمددت، الصحافة العبرية ازدهرت، المؤسسات العبرية نُظّمت، بينما جرى تفريغ اللغة العربية من بعدها السياسي، ثم لاحقًا من بعدها السيادي.
خلال الانتداب البريطاني، مُنحت العبرية اعترافًا رسميًا، لكن الواقع كان غير متكافئ. الاعتراف القانوني لم يكن مساواة، بل غطاء لعملية إحلال لغوي، تُستخدم فيها اللغة لخلق واقع جديد يبدو “طبيعيًا” بمرور الزمن.
بعد عام 1948، لم يعد الصراع لغويًا فقط، بل صار وجوديًا. القرى المدمَّرة أُعيدت تسميتها، الأماكن العربية استُبدلت بأسماء عبرية، والتاريخ أُعيدت كتابته بلغة المنتصر. هكذا تحولت اللغة إلى خريطة، والخريطة إلى حجة، والحجة إلى “شرعية”.
الاحتلال الذي يبدأ باللغة لا يحتاج دائمًا إلى تبرير نفسه.
يكفيه أن يُعيد تعريف الواقع حتى يبدو كأنه كان كذلك منذ البداية.
من هنا، فإن معركة الفلسطيني ليست فقط مع دبابة أو جدار، بل مع رواية كاملة تبدأ بالكلمة.
الدفاع عن اللغة العربية في فلسطين ليس مسألة ثقافية أو عاطفية، بل فعل مقاومة حقيقي، لأن استعادة الاسم هي الخطوة الأولى لاستعادة المكان، واستعادة السردية هي الخطوة الأولى نحو العدالة.
ما جرى في فلسطين يعلّمنا حقيقة قاسية
من يربح معركة اللغة
يقترب كثيرًا من ربح معركة الأرض.
الاحتلال بدأ باللغة….
------------------------------
بقلم: حاتم نظمي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس
أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري