الإعلام والسلطة.. أزمة خطاب لا أزمة جمهور
في كل مرة يظهر فيها حوار تلفزيوني يبدو مرتبًا أكثر من اللازم، ومغلقًا على نفسه أكثر من المطلوب، يدرك المشاهد سريعًا أن المسألة لم تعد نقاشًا عامًا بقدر ما هي محاولة لإعادة إنتاج خطاب فقد تأثيره في الشارع. ذلك النوع من الحوارات الذي يجلس فيه الضيف والمذيع على أرضية واحدة من القناعات والرسائل الجاهزة، لا يهدف إلى طرح أسئلة حقيقية أو الاقتراب من هموم الناس، بل يسعى إلى تمرير حالة من التعبئة السياسية المصطنعة، وكأن الجمهور مجرد متلقٍ سلبي يمكن توجيهه عبر شاشة واستوديو وإضاءة محسوبة.
المشكلة ليست في اختلاف الآراء، ولا في حق أي طرف في الدفاع عن موقفه السياسي، بل في الإصرار على تجاهل حقيقة واضحة، أن الشارع المصري تغيّر، وأن المواطن الذي عاش سنوات من الأزمات الاقتصادية والضغوط اليومية لم يعد مقتنعًا بسهولة بالشعارات القديمة أو الرسائل المعلبة. الناس باتت تبحث عن نتائج، عن حياة أقل قسوة، وعن خطاب يشعرها بأن هناك من يفهم ما تعانيه بالفعل، لا من يكرر عليها عبارات محفوظة عن الإنجازات والانتصارات الوهمية.
ومن هنا تبدو الأزمة الحقيقية لبعض الكيانات السياسية التي جرى تصنيعها على عجل لتؤدي دورًا محددًا داخل المشهد. فالأحزاب التي تنشأ بقرار فوقي، وتحصل على النفوذ والدعم قبل أن تمتلك قاعدة شعبية حقيقية، غالبًا ما تتحول إلى هياكل ضخمة من الخارج لكنها هشة من الداخل. قد تملأ القاعات، وتحتكر الشاشات، وتبدو حاضرة في كل مناسبة، لكنها تظل بعيدة عن نبض الشارع، لأن السياسة في جوهرها ليست لافتات ولا مؤتمرات، بل علاقة ثقة طويلة بين الناس ومن يمثلهم.
التاريخ القريب يحمل درسًا واضحًا لا ينبغي تجاهله. فالحزب الوطني في سنواته الأخيرة امتلك كل أدوات السيطرة والنفوذ، من الإعلام إلى الإدارة المحلية إلى رجال الأعمال، ومع ذلك انهار بسرعة مذهلة عندما اصطدم بغضب الشارع في يناير 2011. لم يكن السقوط مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لانفصال السلطة السياسية عن المزاج العام، ولحالة الغرور التي جعلت البعض يظن أن السيطرة على المجال العام تعني امتلاك رضا الناس.
الأخطر من ذلك أن تكرار الأساليب القديمة يوحي بأن هناك من لم يتعلم شيئًا من التجربة. فما زال البعض يعتقد أن هندسة المشهد السياسي من أعلى يمكن أن تصنع حياة حزبية حقيقية، وأن البرامج التلفزيونية قادرة على منح الشرعية الشعبية لمن يفتقدها على الأرض. بينما الواقع يقول إن الشرعية لا تُمنح عبر الكاميرات، بل تُكتسب بالعمل السياسي الحقيقي، وبالقدرة على التعبير عن الناس لا الحديث نيابة عنهم.
لقد أصبحت الفجوة بين الخطاب الرسمي وما يشعر به المواطن واسعة إلى حد يصعب تجاهله. وكلما جرى تجاهل هذه الفجوة، ازداد الإحساس العام بأن ما يُعرض على الشاشات ليس سوى عالم موازٍ، منفصل عن الحياة اليومية بكل ما فيها من قلق وأسئلة وغضب مكتوم.
ختامًا، لا يمكن لأي سلطة أو حزب أو إعلام أن ينجح طويلًا إذا اكتفى بصناعة الصدى والاستماع إلى صوته فقط. لأن الشارع، مهما طال الصمت، يظل قادرًا على التمييز بين السياسة الحقيقية والمشهد المصنوع.
----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس
أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري