الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 24.1°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الإسكندرية.. ملتقى الأزمنة ومجمع الأمكنة (٢/١)

الإسكندرية.. ملتقى الأزمنة ومجمع الأمكنة (٢/١)

الإسكندرية يعرفها أكثر المصريين بأنها مصيف يأتونه فى أشهر الصيف؛ فرارًا من قيظ الوادى، وهربًا من رطوبة النيل، وطلبًا للتبرد بروحها العليل، ويعرفها طلاب المدارس بأنها العاصمة الثانية والميناء الأول، وهى عند طائفة ثالثة لا مصيف ولا رصيف، لكنها لقمة عيش يأتونها من الكفور النائية والنجوع البعيدة طلبًا لرزق عيالهم، أما أنا (على عادة الكُتّاب) فقد كنت من طائفة "خالف تُعرف"، وكان لى فى هوى الإسكندرية مذهب عجيب، وطقس مختلف.

ولقد كان هذا الهوى العجيب يشتط فى تصور الإسكندرية، فيأخذها بعيدًا عن موضعها ومصريتها وأفريقيتها، فيتمثلها حاضرة إغريقية رومانية بأحد سواحل اليونان، أو بإحدى جزائر بحر إيجة! ولما كانت حاضرة إغريقية رومانية فلم يكن يلائمها أن تبدو لى إلا متلفعة بالغيم والمطر، مشمولة بالريح والبرَد؛ لتكتمل لها إغريقيتها ورومانيتها!

وكان يعجبنى جدًّا أن أتصور الإسكندرية بهذا الوجه الإغريقى الرومانى (وهى كذلك على الحقيقة فى أحد أوجهها)، فلقد كان للمدنية الإغريقية والرومانية شىء من هوى فى نفسى، وكان يسقط فى يدى إذا ذُكِرَت عندى إحدى هاتين الحضارتين، فلا أجد بُدًّا من زيارة مغانيها ومعالمها قضاءً لحق المجاورة القريبة، ووفاءً لحق الأرحام البعيدة، وأخذًا بحق الهوى المطالب بحقه، ولما كانت الرحلة إلى اليونان ليست بالهيِّنة، ولا كانت زيارتى جزر بحر إيجة بالمتيسرة، وكانت الإسكندرية أقرب قصدًا، وأقل نفقة، وأوفى بالمطلوب، وفيها الغناء عما سواها، فقد كنت أزورها فى الشتاء يومًا أو بعض يوم فآخذ من إغريقيتها القديمة بنصيب، ثم أقفل راجعًا وقانعًا بأنى قد أديت لنفسى حق هواها، وقمت لليونان والرومان بحق الأرحام والجوار والتاريخ والجغرافيا التى بيننا وبينهم!

والحق إن بضع خطوات فى الإسكندرية تعبر بك قرونا فى الزمان، وتجتاز بك قارات فى المكان، وتجمع بين يديك من الحضارات فى الميل المربع الواحد ما لا يجتمع لك فى الألوف من الأميال فى غيرها، بل لا أقول فى الميل الواحد، وإنما فى بضع أمتار ترى الحجر وعليه الرسم الرومانى، وعلى الذى بجواره صليب، وعلى ثالثهما البسملة وأسطر عربية بالكوفى غير المنقوط! ولتقف على صدق قولى ذاك فى الإسكندرية، فإنه يكفيك أن تستقل القطار من محطة مصر بالقاهرة، فتنزل محطة مصر بالإسكندرية، فتخرج منها فتجدك مشرفًا على آثار المسرح الرومانى، وهو لمن لا يعرفه ليس مسرحًا فقط، بل هو حى رومانى من أحياء الإسكندرية القديمة، باقٍ بمعالمه، وأعمدته، وبنيانه، ما إن تدخله حتى تغادر صخب إسكندرية القرن الحادى والعشرين، وتدخل "الزمكان" الرومانى فى القرن الرابع الميلادى، فيتلقاك عن يمينك مسرح المدينة بمدرجاته وساحته وكواليسه، ويستقبلك من تلقاء وجهك شارع رومانى فسيح، أو قل رواق على أحد جانبيه أعمدة قائمة، وعلى جانبه الآخر مقصورات دراسة مدرجة يتوسط درجاتها منبر من حجر للمعلم، فإن ذهبت فى هذا الشارع ثم انعرجت يمينًا فثَمَّ حمَّام رومانى عظيم لا تزال بقايا مرافقه ومواقده وأحواضه وقبابه شاخصة للعيان، وغير بعيد منه تجد مساكن قدماء السكندريين، وورشهم، وحوانيتهم، وبناحية من الحى تتفرد دونهم "فيللا الطيور"، وهى دار أحد أثرياء الإسكندرية القديمة، وقد اكتست أرضها فسيفساء تصور الطير والحيوان! فإن أنت خطوت خارجًا من هذا الحى الرومانى وسرت قليلًا وجدت نفسك فى شارع فؤاد حيث "الزمكان الكولونيالى" العمارة، فلا يقع فى نفسك إلا أنك قد أُخِذت إلى أثينا الحديثة، أو كأنك قد انتقلت إلى بعض أحياء روما الإيطالية، أو مدريد الإسبانية، بشرفاتها المكشوفة، واستطالة نوافذها، وعلو أسقفها! فإن أنت مضيت فى طريق الساحل ميممًا وجهك شطر طرف الميناء الشرقى، فثَمَّ يستقبلك السلطان قايتباى المملوكى فى قلعته المُنيفة المدعوة باسمه، فهناك تعلم أنك لم تدخل قلعة، بل دخلت "الزمكان المملوكى"، فإن القلاع فى كثير من أحوالها هى مدن للإعاشة الممتدة، فتحوى داخلها ما تحويه المدينة خارجها، وتنبئك مرافقها بتاريخ أهل هذا العصر مشاهدة ومُلابسة، لا سماعًا ومطالعة، وليست قلعة قايتباى بدعًا من الأمر، بل هى مثل صغير "للزمكان المملوكى"، فأنت من عند نص التأسيس فوق بابها العظيم، ومرورًا بساحتها ذات الصهاريج، ومصلاها ذى الإيوانات الأربع، وسلمها، وغرفها، ومرافقها، ومزاغلها، وإيوانها- أنت فى كل هذا لست تتفكه بمناظرة قلعة قديمة البنيان، بل أنت على وجه الحقيقة فى "الزمكان المملوكى" تلابس أهله معايشهم، ومرافقهم، وكتاباتهم، وهندستهم، ومرافقهم، ومذاهبهم، فالقلعة كتاب تاريخ للعصر المملوكى لا يجدر بدارس هذا العصر إغفال مطالعته، ولا يجدر بزائر الإسكندرية تغافله دون المرور به والوقوف عنده مليًّا، وبالجملة فإنى إذا ما زرت الإسكندرية وجدت نفسى فى ثلاثة مواطن و ثلاثة أزمان، إما فى "الزمكان الرومانى القديم" أو فى "الزمكان الكولونيالى الحديث"، أو فى "الزمكان المملوكى الوسيط"، فكان ذلك مما يصادف فى نفسى هوى عجيبًا!

والقول بإغريقية الإسكندرية من المبالغات الصادقة التى لا تنفى صدق مصريتها، وصدق إسلاميتها، وصدق عروبتها، كصدقنا فى القول بأندلسية قرطبة، وطليطلة، وسرقسطة، وإشبيلية، مع صدق إسبانيتها وأوروبيتها كذلك، فأنت إن سرت فى إحدى تلك الحواضر اليوم تجد الصبغة الأندلسية حاضرة سافرة فى حرف عربى أندلسى يزين بعض أبهاء قصر الحمراء، أو فى بقايا حصن أموى، أو فى إحدى بوابات المدينة، أو فى مئذنة مشرفة، أو فى محراب جامع، أو فى صورة الفتى الإسبانيولى "خوليو" الذى يشابه ابن عمه "مولاى عمر" على البر المغربى، ولكن قيام أندلسيتها مع ذلك لم ينفِ صدق أوروبيتها، وصدق إسبانيتها الحاضرة فى لسان أهلها، وأزيائهم، وأخلاقهم، ودينهم، فكأنما هى مدينة نقلت من الساحل المغاربى إلى الجنوب الإسبانى، أو كأنها الأندلس وقد بُعثت حيًّة نَضِرة، فلو كنت هناك سائحًا لأخذك العجب والدهش من هذا الوصال المكانى بين الأفريقى والأوروبى، ومن ذاك الوصال الزمانى بين القرن الثامن (وما قبله) والقرن الحادى والعشرين، ومن هذه المخالطة الرومانية الإسلامية الكاثوليكية فى "الزمكان الأندلسى"، وكذلك كان شأن "الزمكان السكندرى" العجيب المعجب فى نفسى إذا أنا نزلت الإسكندرية. (يُتبع..)
---------------------------------
بقلم: محمد زين العابدين
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:38
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
24.1°C
توقعات الساعات القادمة
24.1°C
23.6°C
22.7°C
21.7°C
21.0°C
20.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...