الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 24.1°C
رئيس التحرير مجدي شندي
احتجاجات 25 يوليو ومرحلة جديدة من أزمة الشرعية في تونس

احتجاجات 25 يوليو ومرحلة جديدة من أزمة الشرعية في تونس

لم تكن الدعوة إلى التظاهر في تونس يوم 25 يوليو مجرد احتجاج على انقطاع الكهرباء أو ارتفاع الأسعار، بل حملت دلالة سياسية تتجاوز المطالب المعيشية إلى إعادة فتح ملف الشرعية السياسية للنظام الذي تأسس بعد قرارات الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو 2021. فاختيار هذا التاريخ، الذي يوافق عيد الجمهورية والذكرى الخامسة للإجراءات الاستثنائية، يعكس محاولة واضحة من المعارضة والمجتمع المدني لإعادة تأطير الأزمة باعتبارها أزمة حكم وليست مجرد أزمة إدارة.

وتأتي الاحتجاجات في ظرف داخلي بالغ الحساسية، حيث تتداخل الضغوط الاقتصادية مع حالة من الانسداد السياسي. فقد تحولت الأزمات الخدمية، من انقطاع الكهرباء وتعطل إمدادات المياه إلى تراجع الخدمات الصحية وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى مؤشرات على تراجع قدرة الدولة على الوفاء بوظائفها الأساسية، وهو ما يمنح المعارضة فرصة لربط التدهور الاقتصادي مباشرة بطبيعة النظام السياسي القائم.

لقد بنى الرئيس قيس سعيّد شرعيته منذ عام 2021 على خطاب يقوم على محاربة الفساد وتفكيك منظومة الأحزاب واستعادة الدولة من القوى التي حملها مسؤولية سنوات من الفوضى السياسية. غير أن استمرار الأزمات الاقتصادية وغياب التحسن الملموس في مستوى الخدمات العامة يضع هذه الشرعية أمام اختبار حقيقي إذ تنتقل مطالب الشارع تدريجياً من المطالبة بالإصلاح إلى مساءلة جدوى النموذج السياسي نفسه.

وفي المقابل، تحاول المعارضة استثمار هذا التحول، فدعوة حركة "نفس" للمسيرة، وانضمام حركة النهضة إليها يعكسان محاولة لتشكيل مظلة احتجاجية أوسع تتجاوز الاصطفافات الحزبية التقليدية عبر التركيز على القضايا المعيشية باعتبارها نقطة التقاء بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية. ويبدو أن الرهان لم يعد يقتصر على استعادة التوازن السياسي وإنما على إعادة بناء قاعدة شعبية للاحتجاج انطلاقاً من هموم المواطنين اليومية.

ويكتسب هذا التحرك أهمية إضافية لأنه يأتي في وقت تواجه فيه المعارضة ضغوطاً متزايدة، مع استمرار ملاحقة عدد من السياسيين ورجال الأعمال والنشطاء بتهم تتعلق بالتآمر على أمن الدولة والفساد والإرهاب، وهي اتهامات ترى المعارضة أنها ذات دوافع سياسية. وفي ظل هذا المناخ تتحول حرية التظاهر نفسها إلى اختبار لطبيعة العلاقة بين السلطة والفضاء العام ومدى استعداد الدولة للسماح بعودة الحراك السياسي المنظم.

اقتصادياً، تبدو الأزمة أكثر تعقيداً من مجرد ارتفاع الأسعار أو نقص بعض الخدمات، فالاحتجاجات تعكس تراكم مشكلات هيكلية تتمثل في تعطل برامج التشغيل وتراجع الاستثمار وضعف قدرة المالية العامة على تمويل إصلاحات واسعة وهو ما ينعكس مباشرة على مستوى معيشة المواطنين. كما أن تزامن موجة الحر مع الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه كشف هشاشة البنية التحتية، وأظهر أن الضغوط المناخية باتت تضاعف من كلفة الأزمات الاقتصادية والإدارية.

أما على المستوى السياسي فلا يبدو أن الاحتجاجات الحالية تمثل تهديداً مباشراً لاستقرار النظام، لكنها تحمل مؤشرات على انتقال المعارضة من مرحلة الاعتراض السياسي إلى محاولة توظيف الأزمة الاجتماعية لبناء موجة احتجاجية أكثر اتساعاً. وإذا استمرت المشكلات الخدمية والاقتصادية دون حلول ملموسة فقد تجد السلطة نفسها أمام تآكل تدريجي في رصيدها الشعبي حتى وإن احتفظت بسيطرتها الكاملة على مؤسسات الدولة.

غير أن المعارضة لا تزال تواجه تحدياً يتمثل في قدرتها على تقديم بديل سياسي مقنع. فحركة النهضة، ورغم كونها أكبر القوى المعارضة، إلا أنها لا تزال تتحمل جزءاً من مسؤولية المرحلة السابقة في نظر قطاع من الرأي العام، الأمر الذي يجعل نجاح أي حراك احتجاجي مرهوناً بقدرته على تجاوز الاستقطاب التقليدي وتقديم مشروع وطني جامع يتجاوز الصراع بين أنصار ما قبل 25 يوليو وما بعده.

الغاية إذن، إن الاحتجاجات الحالية لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد رد فعل على أزمة كهرباء أو ارتفاع في الأسعار، بل باعتبارها مؤشراً على دخول تونس مرحلة جديدة من الصراع بين شرعية الإنجاز وشرعية الأداء. فالنظام يواصل الدفاع عن خياراته باعتبارها ضرورة لإنقاذ الدولة، بينما ترى المعارضة أن تركيز السلطة دون نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة أدى إلى تعميق الأزمة بدلاً من حلها.

وبين هذا وذاك يبقى مستقبل المشهد التونسي مرهوناً بقدرة السلطة على استعادة الثقة من خلال معالجة الأزمات المعيشية وبقدرة المعارضة على تحويل حالة السخط الشعبي إلى مشروع سياسي قابل للحياة. وحتى يتحقق أحدُ هذين المسارين ستظل تونس تدور في حلقة مفرغة يتداخل فيها الاقتصادي بالسياسي، وتبقى فيها الأزمات الخدمية مرآة لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة ومصادر شرعيتها.
------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:10
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
24.1°C
توقعات الساعات القادمة
24.1°C
23.6°C
22.7°C
21.7°C
21.0°C
20.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...