الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 23°C
رئيس التحرير مجدي شندي
إيران والردع الإقليمي الجديد

إيران والردع الإقليمي الجديد

الحرب التي استمرت أربعين يوماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تُعدّ نقطة تحول في بروز استراتيجية «الردع الإقليمي» ضمن منظومة الأمن القومي الإيراني. في هذا الإطار، جرى تعزيز عناصر القوة الوطنية الإيرانية مثل التماسك الشعبي والاجتماعي، ووجود دولة ذات طابع حضاري، وأيديولوجيا قوية، إلى جانب الاستفادة من التفوق الجيوسياسي. وقد أسهم هذا التحول في ترسيخ مفهوم «المقاومة الحضارية» وبداية مرحلة جديدة تقوم على الدفاع عن عمق الهضبة الإيرانية ضمن منظومة الردع الوطني.

قبل الحرب الأخيرة، كان نموذج الردع الإيراني يستند، إلى حدّ كبير، إلى مفهوم «الدفاع المتقدّم»؛ إذ كان يُنظر إلى خطوط الردع خارج الحدود الوطنية بوصفها جزءاً مهماً من منظومة حماية الأمن القومي الإيراني. وفي هذا السياق، مثّلت شبكة الحلفاء والقوى الصديقة في لبنان وسوريا والعراق واليمن أحد عناصر العمق الاستراتيجي، من دون أن يعني ذلك اختزال منظومة الردع الإيرانية في هذا البعد وحده.

غير أن اندلاع حرب الأربعين يوماً أظهر أن التفوق الجيوسياسي الإيراني، ولا سيما القدرة على التأثير في مضيق هرمز، يشكل أداة ردع بالغة الأهمية، خصوصاً من حيث التأثير على أسواق الطاقة العالمية ودفع الاقتصاد الدولي نحو حالة من الضغط والتباطؤ، بما ينعكس على التوازنات الاقتصادية العالمية.

وقد أبرزت هذه الحرب الدور المحوري للجغرافيا في معادلة القوة، حيث تعززت القناعة بأن فعالية «الدفاع المتقدم» ترتفع عندما يتمركز خط الردع الأساسي داخل الجغرافيا الوطنية، مع القدرة على نقل ثقل المواجهة إلى نقاط حساسة في الاقتصاد العالمي. ووفق هذا المنظور، برزت أهمية مضيق هرمز بوصفه أحد أبرز أدوات الردع الاستراتيجي، إلى جانب القدرة على التأثير في المصالح العسكرية والاقتصادية الأمريكية في منطقة الخليج.

وبناءً على هذا التحول، باتت منظومة الردع الإيرانية أكثر تركيباً، إذ تجمع بين الدفاع من داخل الأراضي الوطنية وبين استمرار نموذج الدفاع المتقدم خارج الحدود، مع الاعتماد على القوى الحليفة كعنصر داعم عند الحاجة. وبهذا الشكل، يشكل الداخل الوطني خط الدفاع الأول، فيما يتكامل معه البعد الإقليمي عبر شبكات الحلفاء ضمن منظومة ردع متعددة المستويات. كما أتاح هذا التحول إعادة صياغة دور القوى الحليفة في المنطقة، من حيث تعزيز قدراتها العملياتية ورفع مستوى تماسكها في مواجهة التحديات المشتركة.

ولسنوات طويلة، جرى الترويج لرؤية تعتبر قوى المقاومة في المنطقة مجرد أدوات ضمن استراتيجية إيرانية، إلا أن تطورات الحرب أظهرت بروز نموذج مختلف يقوم على تداخل الأدوار داخل منظومة ردع شبكية، حيث لا تُختزل العلاقة في اتجاه واحد. كما أن صمود القوات المسلحة الإيرانية وتماسك البنية الداخلية أسهما في تعزيز موقع إيران من فاعل إقليمي إلى لاعب ذي تأثير أوسع في توازنات القوة، بما انعكس على موقع قوى المقاومة في المنطقة.

بالتوازي مع ذلك، شهدت البيئة الجيوستراتيجية تحولات لافتة، إذ برزت قضايا جديدة ضمن معادلة الردع الإقليمي، من بينها جدوى وجود القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج، وأهمية إعادة النظر في مسألة السيادة الإقليمية على الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز. وقد دفعت هذه التحولات نحو إعادة طرح فكرة نظام إقليمي جديد يعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة.

وفي السياق ذاته، طرأ تحول على موقع إسرائيل في معادلة القوة الإقليمية. فبعد أحداث السابع من أكتوبر، سعت إسرائيل إلى ترسيخ موقعها كقوة إقليمية قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق في المنطقة، بما في ذلك في مواجهة إيران، دون التقيد بقيود سياسية أو قانونية واضحة. إلا أن نتائج حرب الأربعين يوماً أظهرت حدود هذا التصور، وأفرزت واقعاً استراتيجياً أكثر تعقيداً، حيث تراجعت فعالية نموذج التفوق الأحادي، وبرزت إيران كقوة مؤثرة في موازين الردع الإقليمي.

كما أدت هذه التطورات إلى إعادة طرح مفهوم «الأمن الجماعي» في منطقة الخليج. فقبل الحرب، كانت العلاقات بين إيران ودول الخليج تُناقش ضمن إطار إنشاء منظومة أمن جماعي إقليمي، غير أن مسار الحرب كشف عن تعقيدات هذا النموذج، حيث واجهت دول الخليج معضلة أمنية مزدوجة تتمثل في استمرار التهديدات من جهة، وعدم كفاية الإنفاق العسكري والوجود العسكري الأجنبي في توفير ضمانات أمنية مستقرة من جهة أخرى.

ومن هذه الزاوية، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة تتجاوز المقاربات التقليدية للأمن، وتفرض إعادة التفكير في أسس الاستقرار الإقليمي. فالتجارب الأخيرة أظهرت أن الاعتماد الحصري على التحالفات الخارجية أو على التفوق العسكري وحده لا يكفي لإنتاج أمن مستدام، وأن معادلات الردع أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي وقت مضى. وفي ظل هذه التحولات، يبرز النقاش حول بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر توازناً بوصفه أحد أهم التحديات التي ستواجه دول المنطقة خلال السنوات المقبلة.
-----------------------------------
بقلم: د. أمینة سلیماني
* صحفیة إیرانیة


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:26
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
23.0°C
توقعات الساعات القادمة
23.0°C
25.5°C
27.5°C
29.2°C
30.4°C
30.9°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...