الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 القاهرة 21°C
رئيس التحرير مجدي شندي
إيران على حافة الحرب مجددا

إيران على حافة الحرب مجددا

قبل زيارة الرئيس  الأمريكى "دونالد ترامب" إلى الصين وبعدها ، يظل مصير الحرب الأمريكية "الإسرائيلية" على إيران معلقا ، ما بين تفاوض مباشر وغير مباشر وصل لنقطة الانسداد ، مع احتمالات تجدد الحرب ، وبالذات بعد الرد الإيرانى الأخير المكون من 14 نقطة ، الذى وصفه "ترامب" بأنه "تافه" و"غبى" ولم يعجبه ، إلى غيرها من سقطات لسان الرئيس الهائج المأزوم نفسيا ، الذى تصور أن إيران سترسل له خطاب استسلام بعلم الوصول ، وفوجئ أن الرد الإيرانى أغلق الأبواب كلها فى وجهه ، فقد خلا رد طهران من أى إشارة تراجع فى الملف النووى ، بل أنه وضع الملف النووى كله فى مرحلة تالية لإيقاف الحرب نهائيا ، وربط بين استعداد إيران لفتح "مضيق هرمز" بإدارتها ، والفك الكامل للحصار البحرى الأمريكى على الموانئ الإيرانية ، وطالب بتعويضات حرب والإفراج عن أموال إيران المجمدة والإلغاء الكامل للعقوبات الأمريكية المتراكمة على مدى نحو خمسين سنة ، والبدء بإزالة كل العقوبات على صناعة وتصدير البترول الإيرانى ، وكان طبيعيا أن يرد "ترامب" بانفعال ورعونة ظاهرة ، فقد انتظر أن يرد الإيرانيون بوثيقة إذعان لمطالبه ، وبالذات مطلبه فى نقل يورانيوم التخصيب العالى ـ فوق الستين بالمئة ـ إلى واشنطن ، وهو المطلب المفرط فى عبثيته ، ولا يأخذ فى اعتباره طبيعة النظام الإيرانى ، الذى يعتبر الألف رطل من يورانيوم التخصيب العالى ثروة وطنية ، ومساو فى القيمة للأرض والتراب الإيرانى نفسه ، فهو إنجاز علمى وتقنى للشعب الإيرانى .

وقد عرضت إيران أن تقوم بنفسها بمعالجة الكمية ـ 450 كيلوجراما تقريبا ـ داخل أراضيها ، وأن تخفف نسبة التخصيب ، وهى ـ أى إيران ـ تملك القدرة على المعالجة ، ولا تحتاج إلى نقل المخزون إلى خارج البلاد ، وإن بدا أنها قد لا تمانع فى نقل مؤقت ليورانيوم التخصيب العالى إلى دول صديقة كالصين وروسيا ، وقد سبق للأخيرة أن استضافت كميات من اليورانيوم الإيرانى المخصب بنسب أقل فى اتفاق 2015 ، الذى انسحب منه "ترامب" فى مايو 2018 خلال عهدته الرئاسية الأولى ، وكان خروجه سببا مباشرا فى اتجاه إيران للتحلل من التزاماتها فى اتفاق 2015 ، ولم يكن لإيران أن ترفع نسبة التخصيب إلى ستين بالمئة وتزيد إلا ردا على خروج "ترامب" ، ونسبة الستين بالمئة تخصيبا ، تسمح لإيران بصناعة قنابل ذرية ، ورغم أن إيران أعلنت مرارا وتكرارا ، أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووى ، وأن لديها فتوى دينية حاكمة ، تحرم حيازة أسلحة دمار شامل ، إلا أن اغتيال الأمريكيين و"الإسرائيليين" لصاحب الفتوى "آية الله على خامنئى" أثار المخاوف ، وبدا أن المرشد الجديد "مجتبى خامنئى" ، قد يتحلل من فتوى الأب ، أو أن يعدلها لاعتبارات الضرورات المبيحة للمحظورات ، وربما لذلك ، امتنعت إيران عن تقديم تعهد نهائى مكتوب بعدم السعى لصناعة قنبلة ذرية ، خصوصا أن إدارة "ترامب" وسعت نطاق الحظر النووى ، وطلبت تدمير كافة المنشآت النووية الإيرانية ، ووقف التخصيب تماما حتى لأغراض سلمية ، مع أن القانون الدولى يسمح لإيران بمبدأ التخصيب لكونها موقعة على معاهدة عدم الانتشار النووى .

وخلاصة ما جرى حتى الآن حربا وتفاوضا ، أن "ترامب" لم يحقق هدفا واحدا وضعه عن طريق التفاوض ، تماما كما فشل بطريق الحرب الشاملة الأخيرة لمدة 40 يوما ، قبل أن يدخل فى مدة هدنة ووقف إطلاق نار لم يحترمه الأمريكيون ، ولا كفوا عن التحرش العسكرى بإيران ، سواء بالحصار البحرى الذى جرى فرضه على الموانئ الإيرانية ، أو بما أسماه "ترامب" عملية "مشروع الحرية" ، بدعوى فتح "مضيق هرمز" بالقوة ، وفشلت العملية فى بواكيرها بسبب التصدى الإيرانى ، وأعلن "ترامب" بنفسه وقفها وتعليقها بعد 48 ساعة ، وقد يفكر فى العودة إليها بعد صدمته من الرد الإيرانى ، وبعد تشاوره مع قائده "بنيامين نتنياهو" حول الرد الإيرانى ، أو قد يفكر فى العودة إلى القصف الشامل الأول ، واستهداف محطات الطاقة والكهرباء والمياه بالذات ، وهو ما يشجعه عليه "نتنياهو" ، الذى زج بالرئيس الأمريكى أصلا إلى حربه الخاسرة مع إيران ، أو قد يفكر فى غارة كوماندوز لالتقاط وسرقة واقتناص مخزون اليورانيوم عالى التخصيب ، أو فى تنظيم حملة غزو برى لإيران اعتمادا على فصائل الأكراد وغيرهم ، وهو ما بدا "ترامب" مترددا فى قبول النصيحة "الإسرائيلية" بشأنه ، فقد كرر "ترامب" شكواه مما أسماه سرقة الأكراد للأسلحة الأمريكية المرسلة لهم ، وقد كان تدبير وتخطيط العملية "إسرائيليا" بالكامل ، وأقامت "إسرائيل" نقطة ارتباط أو قاعدة عسكرية سرية فى صحراء العراق لخدمة الهدف ، الذى لا يبدو "ترامب" واثقا فى جدواه ، وإن كان واردا أن يسحبه "نتنياهو" إلى المستنقع مجددا ، خصوصا مع شعور "إسرائيل" المتزايد بالضيق من تقلبات "ترامب" ، الذى قد يقرر الانسحاب من الحرب كلها ، بعد أن رأى وعاين نتائج ومضاعفات طاعته العمياء لفتاوى "نتنياهو" ، الذى ورطه فى الحرب على إيران ، وجعلها حربا "إسرائيلية" بجيوش أمريكية .

ولا تبدو إيران خائفة من العودة للحرب بعد إخفاق التفاوض ، فقد منحتها فترة وقف إطلاق النار المعلن فرصة لإكمال التجهيزات الحربية ، وإعادة تأهيل منشآتها النووية ومدنها الصاروخية تحت الجبال ، خصوصا بعد انكشاف حقيقة وحدود ما جرى ، وتبين مدى كذب مزاعم "نتنياهو" و"ترامب" عن تدمير الصواريخ الإيرانية الباليستية والمسيرات ومنصات إطلاقها ، فقد نشرت صحف ومواقع إعلامية أمريكية خلاصة تقرير أحدث لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، جاءت فيه حقائق صادمة داهسة لأمنيات ترامب بالذات ، وزهوه          

المتكرر المرضى بنصر عظيم و"رائع" حققه على إيران ، ومما جاء فى تقرير المخابرات الأمريكية ، أن إيران تحتفظ حتى الآن بسبعين فى المئة من صواريخها الباليستية الأبعد مدى والأكثر تطورا ، وأنها ـ أى إيران ـ تحتفظ بنحو 75% من منصات إطلاق الصواريخ ، بل وأضافت تصنيعا جديدا لصواريخ متقدمة ومسيرات أخطر ، وهو اعتراف يقلب الصورة المروجة أمريكيا و"إسرائيليا" ، التى ادعت مع نهاية قصف الأربعين يوما الأولى ، أن إيران خسرت نحو 90% من قدراتها الصاروخية ومنصات الإطلاق ، فوق ذلك ، قالت تقارير المخابرات الأمريكية ، أن اقتصاد إيران قادر على الصمود لأربعة شهور وأكثر مع استمرار وتشديد البحرى الأمريكى المفروض ، وليس كما زعمت إدارة "ترامب" ، وادعاء أن إيران ستنهار اقتصاديا تماما فى مدى أسبوعين أو ثلاثة ، إضافة لانكشاف خدعة التكتم على الخسائر الأمريكية فى الحرب ، التى دمرت فيها صواريخ إيران 16 قاعدة أمريكية فى ثمانى دول غرب وجنوب إيران ، وهو ما كشفه تقرير موثق بالصور ، أذاعته محطة "سى . إن . إن" الأمريكية ، إضافة لخسائر "ترامب" فى الداخل الأمريكى سياسيا واقتصاديا ، وبالذات مع زيادة أسعار البنزين ووقود الطائرات نتيجة لتحكم إيران العملى بالحركة فى "مضيق هرمز" ، وهو ما صحبته زيادة فى نسبة المواطنين الأمريكيين المعارضين للحرب ، ووصول نسب الاعتراض فى استطلاعات الرأى إلى نحو سبعين بالمئة ، ونزول شعبية "ترامب" إلى 30% أو تزيد قليلا ، وهو ما يضاعف من القلق السياسى داخل حزب "ترامب" الجمهورى ، والتخوف من خسارة درامية فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس المقررة أوائل نوفمبر المقبل .

وكان صمود إيران المذهل سببا مباشرا فى جلب مزيد من التعاطف والدعم من أصدقائها الروس والصينيين ، وفتح مزيد من شرايين التصدير والاستيراد للاقتصاد الإيرانى ، سواء من روسيا عبر "بحر قزوين" ، أو من الصين عبر شبكة سكك حديدية ضخمة تصل بريا إلى إيران ، إضافة لما ينشر فى مصادر أمريكية و"إسرائيلية" عن الدعم العسكرى والاستخباراتى الصينى والروسى لإيران ، سواء فى التزويد بصور أقمار صناعية أو إحداثيات استهداف دقيقة للقواعد الأمريكية و"الإسرائيلية" ، وهو ما لا يعلق عليه المسئولون الصينيون والروس فى العادة ، كما لا يعلقون علنا على أدوار موسكو وبكين فى دعم وتقوية الدفاعات الجوية الإيرانية ، خصوصا فى مجال الصواريخ الحرارية المحمولة على الكتف ، التى أثبتت فعاليتها المدهشة فى إسقاط الطائرات الأمريكية المتقدمة تقنيا ، وتبدو الصين أكثر حرصا وقدرة على تقديم الدعم التقنى لإيران وبرامجها فى صناعة الصواريخ والمسيرات ، وتعويض طهران عن أى نقص جرى فى إنتاج الصلب الإيرانى ، وفيما يعلن الروس عن الوفاء بالتزامات اتفاق الشراكة مع إيران ، فكذلك تفعل الصين الأقوى اقتصاديا وتكنولوجيا ، وتحرص "بكين" على تقديم صورة القائد العالمى المسئول ، الذى يحث على احترام قواعد القانون الدولى ، ويدعو لوقف الحرب وإعادة فتح "مضيق هرمز" وإنهاء الحصار الأمريكى ، وهو ما يزيد فى صلابة موقف النظام الإيرانى ، خصوصا بعد ثبات نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية فى ميادين السلاح والتفاوض معا .
-----------------------------------
بقلم: عبدالحليم قنديل
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:40
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
21.0°C
توقعات الساعات القادمة
21.0°C
20.4°C
19.7°C
18.9°C
18.2°C
18.1°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,263ج.م
عيار 21
6,355ج.م
عيار 18
5,447ج.م
الجنيه الذهب
50,840ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...