إيران بين الحرب وإعادة تشكيل النظام الإقليمي
يبدو أن الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة تحوّل تاريخي لا يقل عمقاً عن التحولات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. فالنظام الدولي الذي تشكّل بعد تلك الحرب، والقائم على توازنات القوى الغربية وهيمنة الولايات المتحدة، لم يعد يبدو ثابتاً كما كان طوال العقود الماضية. ومع تصاعد الصراعات في المنطقة، يطرح كثيرون سؤالاً لم يكن مطروحاً بهذا الوضوح من قبل: هل نحن أمام بداية نهاية نظام عالمي قديم وبداية تشكّل نظام جديد؟
أرى أن الحرب الدائرة حالياً قد تنتهي بانتصار نسبي لإيران، أو على الأقل بخروجها لاعباً إقليمياً أكثر قوة ونفوذاً. وإذا حدث ذلك، فلن يكون مجرد انتصار عسكري أو سياسي محدود، بل قد يشكّل نقطة انعطاف في موازين القوى في الشرق الأوسط. فإيران التي أمضت سنوات طويلة في مواجهة الضغوط والعقوبات، استطاعت رغم ذلك أن تحافظ على حضورها السياسي والعسكري في أكثر من ساحة، من الخليج إلى بلاد الشام.
في هذا السياق، قد يجد الكيان الإسرائيلي نفسه أمام مرحلة غير مسبوقة من التحديات. فالدولة المحتلة التي اعتمدت لعقود على التفوق العسكري والدعم الغربي المطلق قد تضطر مستقبلاً إلى التفكير بطريقة مختلفة. ربما يصبح الهدف الواقعي بالنسبة لها ليس توسيع النفوذ أو فرض الشروط، بل مجرد الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتجنّب فتح جبهات جديدة قد تستنزفها. وفي حال استمرت التحولات الإقليمية بالاتجاه نفسه، فقد يصبح الهاجس الأكبر هو البقاء في بيئة سياسية لم تعد كما كانت.
لكن التحولات المحتملة لا تقتصر على المنطقة وحدها، بل قد تمتد إلى داخل الولايات المتحدة نفسها. فالنقاش حول العلاقة بين واشنطن وإسرائيل يتوسع تدريجياً داخل المجتمع الأمريكي. أصوات أكاديمية وسياسية وإعلامية بدأت تطرح أسئلة صريحة حول طبيعة هذه العلاقة وحدودها وتأثيرها على المصالح الأمريكية. وإذا استمر هذا النقاش في الاتساع، فقد نشهد مستقبلاً إعادة تعريف لهذه العلاقة، أو على الأقل مراجعة لبعض مسلماتها القديمة.
في المقابل، قد يظهر في الشرق الأوسط نمط جديد من التحالفات. فبدلاً من الاستقطاب الحاد الذي طبع العقود الماضية، قد تتجه بعض القوى الإقليمية الكبرى إلى صياغة توازنات مختلفة. تخيّل مثلاً تحالفاً أو إطار تعاون واسع يضم دولاً مؤثرة مثل إيران ومصر وتركيا والسعودية وباكستان، إلى جانب دول أخرى في المنطقة. مثل هذا التكتل – إن تشكّل – قد يعيد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية للشرق الأوسط.
هذا السيناريو لا يعني بالضرورة نهاية الصراعات أو اختفاء التنافس بين الدول، فالتاريخ يعلمنا أن التحالفات نفسها تتغير مع تغير المصالح. لكن ما يبدو واضحاً هو أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل عقد أو عقدين. تراجع الهيمنة الأحادية، وصعود قوى إقليمية، وتبدل أولويات الشعوب، كلها عوامل تدفع باتجاه مرحلة جديدة.
ختامًا، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو من سينتصر في حرب بعينها، بل أي نظام إقليمي ودولي سيخرج من تحت أنقاض هذه الصراعات. فالتحولات الكبرى لا تحدث فجأة، لكنها تبدأ غالباً بلحظة تاريخية تتكشف آثارها على مدى سنوات طويلة. وربما تكون المنطقة اليوم في قلب تلك اللحظة.
--------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري