الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 23°C
رئيس التحرير مجدي شندي

إغاثة قطاع غزة بين المسؤولية الوطنية والضمير الإنساني

انتهى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتوقف هدير الدبابات وأزيز الطائرات، ولم يعد سكان قطاع غزة يسمعون قصف الصواريخ، ولا دوي المدافع، ولا أصوات الانفجارات المرعبة.

فقد وضعت الحرب أوزارها وسكنت، وعاد جيش العدو النظامي إلى ثكناته، والاحتياطي إلى بيوته وبلداته، وتوقف التهديد والوعيد بمواصلة الحرب، واستئناف القتال، الذي حصد أرواح آلاف الفلسطينيين، وجرح أضعافهم، وأصاب بعاهاتٍ مستديمة، وجراحٍ بالغة المئات من أبناء شعبنا الفلسطيني.

توقفت الحرب بعد أن دمر العدوان الهمجي البيوت والمساكن، والمساجد والجمعيات، والمدارس والجامعات، والأسواق والحواري والطرقات، وأسقط البنايات العالية والعمارات السكنية الكبيرة، ولم يستثن الأراضي الزراعية، ولا المناطق الخالية، ولا الدواجن والأغنام والأبقار، ولا القطط والكلاب، ولا الخيل والحمير والبغال وبقية الدواب، وقد دمر وحرق مئات السيارات والعربات ووسائط النقل العامة والخاصة، وكأنه زلزالٌ مدمرٌ، أو بركانٌ ثائر، يرمي بحممه الحارقة كالقصر في كل مكان.

دفن الفلسطينيون شهداءهم، وعادوا من المقابر أدراجهم، وقد جففوا دموعهم، وكفوا عن البكاء عليهم، فهم عند ربهم أحياء يرزقون، وقد رضي سكان قطاع غزة بقضاء الله بما أصاب جرحاهم، واحتسبوا كل ما أصابهم في سبيل الله سبحانه وتعالى، الذي لا تضيع عنده الودائع ولا القربات والتضحيات، بل تصل إليه ويقبلها، ويجزي الخير والبركة عليها.

وهو الذي جلَّ شأنه لا يبخس الناس أشياءهم، ولا يهمل أقدارهم، ولا يحقر شأنهم، فلزم الفلسطينيون الصمت، ورفعوا أكفهم إلى قبلة السماء إلى الله بالدعاء أن يشفيهم، وأن ينظر إلى أحوالهم، وأن يرأف بهم وبأسرهم، كي يعود الجرحى إلى بيوتهم، وقد بروا من أمراضهم، وشفوا من جراحهم، واستعادوا صحتهم وعافيتهم، ليواصلوا حياتهم، ويستعيدوا فيها دورهم، ويقوموا فيها بواجبهم.

لكن قطاع غزة كله مدمرٌ كله، والحياة فيه قد أصبحت مستحيلة، والعيش فيه شاقٌ ومضني، ومتطلبات الحياة نادرةٌ ومستعصية، والأموال قليلة وشحيحة، وسوق العمل متوقف وعاطل، والمواصلات العامة والخاصة متعذرة، وهي غالية ومكلفة، ولا تتوفر سوى لميسوري الحال، والقادرين على الدفع والأداء، وهم بالقياس إلى عموم السكان وغالبية الأهل قلةٌ قليلة، بالقياس إلى الفقراء المعدمين، والمعانين المحتاجين، الذين يشكون من ضيق الحال، وقلة الحيلة، والعجز الذي فرضه العدو، وشارك فيه خلقه آخرون، وساعد على بقائه إخوانٌ وأشقاء، ممن أرضتهم معاناة الشعب، ولم يغضبهم عذابه وشقاؤه، ولم يسمعوا صراخه ولم يصغوا إلى أنينه.

لكن لا أصعب ولا أقسى من حياة اللجوء والشتات، والتشرد والضياع، والإقامة في الملاجئ وأماكن الإيواء، وفي المدارس والمساجد والتجمعات المؤقتة، أو في الخلاء تحت الخيام، أو في العراء فوق الأرض وتحت السماء، أمام ركام البيوت المدمرة، والمساكن التي باتت مخربة، ولم تعد صالحة للسكن.

هذا اللجوء والشتات هو أسوأ أنواع المعاناة، وأشد الكروب، وأبلغ معاني الذل والهوان، عندما لا يجد الأب ما يستر به زوجته وبناته، ولا ما يقيهم من غول الأيام، وقسوة الحياة، إذ تعيش أغلب الأسر في غرفةٍ واحدة، يختلط فيها الذكور والإناث، مع الأب والأم، وربما يجتمع في المكان الواحد غيرهم، من أسرةٍ واحدةٍ أو أكثر، إذا علمنا أن العدو قد دمر كلياً أكثر من أربعين ألف بيتٍ ومنزل، وخرب جزئياً أكثر منها.

وفي الوقت نفسه يتعذر على المواطنين استئجار بيوتٍ جديدة، إما لعدم وفرتها بعد عمليات الدمار الواسع الذي لم يبقِ على الكثير من البيوت سليمة، أو لارتفاع كلفة استئجارها، وعدم وجود قدرة مالية لأغلب السكان، أو بسبب امتناع بعض أصحاب العقارات عن تأجير بيوتهم لنشطاء أو معروفين، خوفاً من استهدافهم فيها وقصفها، وغير ذلك من الأسباب القاهرة، التي تحول دون احساس سكان قطاع غزة بالراحة والطمأنينة، استعداداً لمواجهة مرحلةٍ جديدة من الاعمار والاستقرار.

ربما يرى البعض أن المجتمع الدولي، والدول العربية والإسلامية يتحملون المسؤولية الأكبر عن معاناة سكان قطاع غزة، إذ أن عليهم أن يمارسوا دورهم في الضغط على دول القرار الكبرى، التي تملك القدرة على إجبار العدو وإكراهه، ليسمح بإدخال مواد البناء المختلفة، وغيرها مما يحتاجه السكان للعيش الكريم، ليتمكنوا من مواصلة الحياة، وإعادة إعمار بيوتهم ومساكنهم المدمرة.

لا أقلل هنا من دور وواجب المجتمع الدولي والعربي، بل أستعظمه وأفتقده، وأبحث عنه وأنتظره، وأشجع عليه وأستحث العالم للقيام به، وأدين التقصير فيه، وأشجب المعوقين له، والمانعين القيام به، وهو الذي أراه دوراً إنسانياً أخلاقياً قيمياً، ينبغي الإسراع في القيام به، والإخلاص في تأديته، دون انتظارٍ لسماع شكوى، أو التقدم بطلب، فما تراه أمُ عيونهم أبلغ من كل طلب، وأصدق من كل شكاة.

لكنني أحمل المسؤولية الأولى والأكبر لقوى الشعب الفلسطيني المنظمة، وفصائله المختلفة، ولسلطته الحاكمة، وقيادته المتنفذة، ولكل قواه الوطنية، الذين تأخروا عن نصرة الشعب، ولم يعجلوا في مساعدته، ولم يصرفوا لأغلبهم معونةً تساعدهم على الاستئجار أو البحث عن بديلٍ مؤقت.

بل إن هناك من يتهمهم أنهم يفرقون في المعاملة، ويميزون بين السكان، فيصرفون للبعض ممن يخصهم، ويتخلون عن غيرهم من العامة أو من أتباع غيرهم، رغم أن المعاناة واحدة، والناس كلها في الهم والشقاء والبؤس سواء.

فحتى ينهض العالم لنصرتنا، وتخف الأمم لنجدتنا، ويسرعوا إلى تقديم العون لنا، علينا أن نتفق فيما بيننا، وأن نهب لنصرة بعضنا، وأن نكون صادقين في تعاملنا، منصفين في حكمنا، عادلين في توزيعنا، فلا نظلم فريقاً ونحرمه، ونحسن إلى آخرٍ ونغدق عليه، ولا نفرق بين جريحٍ مسؤولٍ وآخرٍ مغمور، ولا بين شهيدٍ مدني وآخر عسكري، ولا نخلق بين الناس عداوةً، ولا نشعرهم بأنهم طبقاتٍ وفئاتٍ، وأصنافاً وجماعات، ودرجاتٍ ومستوياتٍ، بل إنهم جميعاً أبناء شعبٍ واحد، وأصحاب قضيةٍ مشتركة، إنهم مفردة الحرب الأولى، وأداة الصمود الأساسية، وسبيل النصر الأوحد، فلا نخطئ معهم، ولا نسيئ إليهم، ولا نتأخر عنهم.

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:29
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
23.0°C
توقعات الساعات القادمة
23.0°C
25.5°C
27.5°C
29.2°C
30.4°C
30.9°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...