الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 20.9°C
رئيس التحرير مجدي شندي

إبداعات | ناي .. قصة بقلم: مدحت جاد الرب

إبداعات | ناي .. قصة بقلم: مدحت جاد الرب
استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:47

كانت أولى جامعة لقاء التعارف بيني وبين القاهرة. جمعتني الصحبة بالمدينة الجامعية، بالمغتربين من أمثالي. كانت حياة "المدينجيه"، كما كانوا يطلقون علينا، خليطًا من الدراسة بالنهار وارتِياد المقاهي الرخيصة بالليل، حين لم يكن في يدنا من تكنولوجيا سوى الخيال، وكانت إضافة قناة ثالثة إلى التلفزيون وقتها أكبر ما دخل من ترفيه إلى حياتنا. من حسن حظي أن صحبتنا كانت تفضل مقهى في أحد شوارع العباسية المنسية. مكان بلا أبهة، كراسيه الخشبية المقوسة الأرجل توحي بأن عمرها يفوق أعمارنا. كل ميزته أن صاحبه قبل جلوسنا لساعات على دور مشاريب واحد. رغم مهابته الظاهرية وجلسته في صدر القهوة كأبي الهول، كان يبتسم أحيانًا على أحاديثنا الصاخبة. كان رواد المقهى، عدا عنّا، من الحرفيين وأرباب المعاشات، باستثناء رجل خمسيني يحمل آثار عزٍ قديم. يأتي غالبًا بعد منتصف الليل، يجلس في زاوية المقهى، مميزًا بحقيبته الجلدية الأسطوانية الشكل التي لا تفارقه. كان صبي القهوة يناديه: "عم حسن". لم يكن يهتم بوجودنا إلا بإلقاء السلام حين يأتي. استمر الحال على هذا النحو حتى تفرَّقت صحبتنا مؤقتًا بسبب امتحانات منتصف العام. لم أكن أذهب إلى المقهى إلا مع أصدقائي، كأنني أخشى مواجهة القاهرة ليلًا بمفردي. لكنني غامرت ذات ليلة وذهبت وحدي. لم أجد من أعرفه سوى صبي القهوة وعم حسن. بحثًا عن أي ونيس، اقتربت منه وسلمت:– إزيك يا عم حسن؟ – إزيك يا بني. فينكم؟ كنتم عاملين حس للقهوة.

– امتحانات، كلنا ملخومين. - طيب وإيه اللي جايبك؟ مش قاعد تذاكر ليه؟ ثم استطرد: على فكرة، شكلك فلاح، مش من مصر، وأهلك متعشمين فيك. أطلق الجملتين كطلقات من مدفع رشاش دون تمهيد. إذن، الرجل الصامت ليس كما تصورت، بل كان متابعًا، فزادني ذلك ألفة نحوه. – صح، والله عندك حق، حاضر يا عم حسن. بس ممكن أسألك عن الشنطة دي؟

– دي العِدة. – عدة إيه؟– عدة الشغل.فتحها قليلًا، فإذا بها مجموعة مختلفة الأطوال من النايات.– إيه ده؟ إنت بتاع مزيكا يا عم حسن؟ قلتُها بفرحة طفل في السابعة، فضحك لسذاجة النبرة، خاصة عندما تابعت: – وبتشوف مطربين وكده؟ – هههه أيوه، باشوف وكده. - معلش، أصل أنا أول مرة أتكلم مع فنان، حتى الافراح عندنا قليلة. – ما أنا برضه بعزف في الأفراح، وساعات حفلات بسيطة. - طيب، ممكن أجي أتفرج على حفلة؟ عمري ما حضرت حاجة زي كده. - ماشي، لما تخلص امتحانات. 

وفى الرجل بوعده. ذهبت معه إلى إحدى حفلات قصور الثقافة. وجدت شبابًا في سني أو أكبر قليلًا، حتى المغنين كانوا في نفس العمر، بينما اختلفت أعمار العازفين، ومعظمهم يقتربون من سن عم حسن. رغم ضيق المكان وتواضع التنظيم، كان الجو مبهجًا، جعلني أشعر بغبطة كالدرويش في الحضرة. صرت كلما سنحت الفرصة أذهب معه. بدا وكأنه آنس لوجودي، حتى أنه بدأ يتباسط معي أمام زملائه، يقول لي ممازحًا: "إيه رأيك يا أستاذ؟"، وكنت أخجل من اللقب لصغر سني، لكنني علمت أنه كان يقصد التباهي بي. وذات مرة، كان لديَّ متسع من الوقت وطلبت الذهاب معه، فرفض في البداية قائلاً إن الشغل في شادر فرح صغير. أصررت، فوافق. كان المكان مكتظًا، وجلست بجوار فرقة مختلفة عن المعتاد. معهم سيدة كثيرة الألوان في وجهها وزيها، بدت في الأربعينات، فهمت أنها صاحبة الفرقة ومطربتها. لم يعجبها وجودي: - مين أبو نضارة ده يا حسن؟ ابنك؟ ارتبكت، ونظرت إلى عم حسن ألتمس منه الدعم، فقال مقتضبًا: -لأ، ده بيقعد معايا على القهوة وعايز يتفرج. ردت ضاحكة بسخرية: - ماشي يا خويا، اللي جابلك يخليلك. 

حزَّ ذلك في نفسي، فقد شعرت أن الرجل كاد يتبرأ مني بعد أن كان يفاخر بي. المكان لم يكن كما اعتدت. حتى عم حسن كان يعزف بلا اهتمام، ويتبادل الشتائم مع زملائه، ثم يضحكون وكأن شيئًا لم يكن. واختتم الليلة بشجار مع المطربة على نسبته في "النقطة"، أنهاه بقوله: - والله إنتِ ولا بتفهمي فيها، واللي خلاكي عالمة ظلمك. إياك تبعتيلي على فرح تاني. عدنا إلى المقهى، وقد لاحظ تجهمي، فقال كأنه أحس بما أفكر فيه: - ايه رأيك في الليلة؟ – الفرح ظريف، والمعازيم البنات كانوا حلوين، بس الست دي لسانها زفر. – ههه دي الليلة كانت محترمة. - محترمة؟ دي خلتني في نص هدومي! وبعدين سامعك بتقول مش هتشتغل معاها تاني. – يا ابني، ده كلام. بكره تبعت تصالحني. ده أكل عيش. أنا برضه قديم ولي سمعتي. – طب وليه بتشتغل في الأماكن دي؟ – عشان المصاريف. – هو عندك ولاد؟– عندي بنتين، أصغر منك شوية. – ما بتروحش البيت ليه؟ – أنا وأمهم سيبنا بعض من زمان. هما قاعدين معاها. – يعني مش بتشوفهم؟– لأ، بشوفهم وبصرف عليهم. لما كبروا بقى ييجوا لوحدهم. يمكن علشان كده اتكلمت معاك في القهوة، كنت عايز أعرف شباب اليوم بيفكر إزاي. – هو أنتم سبتوا بعض ليه؟ كأنما التقى فضولي برغبته في الفضفضة، فاستمر الحديث. – كنت صغيرا، والشغل كتير، وكنت شايف نفسي. كنت فاكر نفسي هبقى زي "عفت"، عازف عبد الحليم. على فكرة، اشتغلت معاه شوية. كنت بحب المزيكا وفاشل في الدراسة. أبويا، الله يرحمه، حاول يعدل حالي، بس ركبت دماغي. قاطعني شوية، وبعد كده عيّي ومات. أخواتي بعد الدفنة قالوا إني السبب. من بعدها باعرف أخبارهم من بعيد. حتى جوازات عيالهم باعرفها من الأغراب. – ووالدتك؟ – دي ماتت وأنا صغير. شعرت أن الرجل ازداد عمرًا فوق عمره مع نهاية الحكاية، فخفت عليه أن يشيخ أكثر، فقاطعته بلطف: - ياه، ده انت حكاية يا عم حسن. فابتسم وقال: - كل واحد فينا يا ابني حكاية. – يا ترى هيتكتب لي إيه؟ – ما تستعجلش. ركز بس، عشان اللي بيتكتب ما بيتمسحش.

مرت الشهور وتسربت الأعوام وبت أذهب إلى المقهى قليلًا، وأرى الرجل مراتٍ أقل. وأخذتني الطرق بعيدًا عن العباسية وقهوة أبو الهول. صرت لا أخاف القاهرة، بل استوطنتها، وتبدلت الوجوه والمشاعر. لكن صوت نايه وحديثه ما زالا يرنّان في أذني حين أحن للبداية.
-------------------------
بقلم: مدحت جاد الرب

...

تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.9°C
توقعات الساعات القادمة
20.9°C
22.3°C
22.7°C
23.1°C
22.8°C
22.5°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

الذبح لمن استطاع سبيلا

بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...

حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...