إبداعات | حادث النصف سنتيمتر - قصة قصيرة
كان قد مضى على آخر مرة قرأ فيها صاحبنا هذه الرواية القصيرة سنوات طوال، نسي عددها لبعدها، لكنه سرعان ما تذكرها وتذكر كثيرًا من أحداثها على أصداء حديث تليفوني. وتذكر أيضًا مشاهدها بعد ما تحولت إلى فيلم سينمائي لعب بطولته إثنان من نجوم الشاشة الكبيرة، الرائع محمود ياسين والجميلة نيللي.
أما الرواية فهي "حادث النصف متر" للروائي والصحفي الراحل صبري موسى، صاحب الأسلوب المميز، والعين اللاقطة والقلم السلس والأفكار المتجددة البسيطة في تفاصيلها، المؤثرة في أحداثها، سواء في هذه الرواية أو روايته الأخرى؛ فساد الأمكنة.
ابتسم صاحبنا عندما تناهت إلى أذنه صدى ضحكات محدثته على الجانب الآخر من الهاتف، وهي تحاول أن تتمالك كلماتها قدر طاقتها من بين ضحكها بعدما تذكرت موقفًا جمعهما، كانت الكلمة الأولى والأخيرة فيه للصدفة، لتقول في صوت تقريري "يا سيدي.. كل حكاية حب هي بنت للصدفة.. يقع موقفًا تراه أنت عابرًا، حتى أنك لا تكاد تلقي له بالاً، فإذا هو بعد قليل وقد صار كل شيء"
استمع صاحبنا إلى محدثته وهو يهز رأسه مُؤَمِنًا وموافقًا على رأيها، ولم لا، وقد أعادته كلماتها إلى ذلك اللقاء البعيد، حين جلست إليه لبعض عمل. فأنكرها أشد ما يكون الإنكار، ووقع في قلبها منه ثقلٌ تمنت معه انتهاء ذلك اللقاء، تمني المحاصر بالحرية.
وكأي شيء في هذه الدنيا الفانية، انتهى اللقاء وانصرف كل منهما إلى شأنه، حتى كادا أن ينسيا تلك الساعة التي جمعتهما، وانهمك كل منهما في أعماله وشئونه وانشغل عن ذلك اللقاء أيما انشغال، إلى أن جاء يوم جمعتهما فيه طاولة عمل واحدة، فحيا كل منهما الآخر من بعد،ورغم حرارة المناقشات وإندماج الحضور، إلا أن صاحبنا كان - وبشكل لا إرادي - يلتفت من حين لآخر نحوها، فيجدها تنظر نحوه أيضًا. فلا تلتقي العينان، حتى يسارع كل منهما برد عينيه ردًا سريعا إلى اتجاه آخر، ليجدا نفسيهما، مع تكرار ذلك المشهد، يتبادلان الابتسام، ثم كانت منه ابتسامة أكبر من كل ما سبق من ابتسامات عندما أز هاتفه على إثر رسالة منها، تدعوه فيها إلى ضبط ربطة عنقه، التي من كثرة حركته مالت قليلاً، ومع الرسالة اعتذار رقيق على تطفلها.
والحقيقة أن صاحبنا اصطنع حركة، بدت طبيعية، ضبط بها ربطة عنقه، ثم رد عليها برسالة شكر مصحوبة بزهرة، فردت عليه بدورها بباقة زهر.
ومن يومها، تغيرت حياتهما، أو قل تغير مسار حياتيهما تغيرا بدا بسيطا في ظاهره، عميقًا في باطنه، رسالة صباحية يبادر بها أحدهما، فيرسل له الآخر رسالة تقطر رقة، وما كان رسالة واحدة يوميا، صار عدة رسائل، حتى بلغ منهما أنهما كانا يتفقدان هاتفيهما من حين لآخر، بحثًا عن رسائل الطرف الآخر، فإذا وجدا بغيتهما تهللت الوجوه وانشرحت الأسارير، وإذا كان غيّر ذلك غامت الوجوه.
ولأن التطور فُرض على كل كائن حي، فقد تراجعت مساحات الرسائل واتسعت فدادين المكالمات وطاولات المقابلات حول فناجين القهوة وأطباق الطعام وأواني الحساء، حتى امتد بينهما ما يربط بين المحبين.
وإذا كانت في أول لقائها به قد شعرت بعدم ألفة وضيق منه، فها هي اليوم تبحث عنه وتعاتبه كلما تأخر عنها. وما أكثر ما كان يتأخر، فتلومه أشد ما يكون اللوم حين تغضب، وتعابثه أشد ما يكون العبث حين ترضى، وقليلاً، بل ونادرًا، ما ترضى.
ولم يكن يحلو لها حين تعابثه ذلك العبث اللطيف إلا أن تذكّره من حين إلى آخر بحكاية ربطة العنق، أو كما كانت تسميها: حادث النصف سنتيمتر.
فيضحك كلما ذكّرته بها، ويتعمد معابثتها قائلاً "إن نصف سنتيمتر لا يكفي ليغيّر شيئًا في حياة أحدْ".
فتجيبه في ابتسام متعمدة معابثته في تحد وحب:
"بل كان كافيًا ليغيّر كل شيء."
فلا يكون من صاحبنا إلا أن يتعمد النظر نحوها بوجه محايد القسمات، بهدف إثارة غيظها، فلا تلبث تتظر نحوه بنصف عين ، ولسان حالها يقول "عيني في عينك "، فيهز رأسه موافقًا مستسلمًا وقد أدرك وأيقن أن بعض ما نظنه أخطاءً صغيرة في تفاصيل يوم عابر، قد لا يكون إلا الصدفة وهي ترتب لنا حياتنا.
نصف سنتيمتر غيّر حياة صاحبينا، كما غيّر نصف متر حياة وفاء وأحمد.
فضحك في سره، ونادى النادل وطلب فنجاني قهوة في محاولة للهرب من عينيها، ولكن هيهات هيهات، فقد كانت له بالمرصاد، فلم يملك إلا أن استسلم وقهقه معلنا انتصارها، وعبث بشعرها المسترسل كعادته في تلك المواقف، وضمها إلى صدره في حب وحنان، وتمتم وهو يتنفس من شعرها؛ "فلتحيا الصدفة وليحيا هذا النصف سنتيمتر!"
----------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"
لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري