السبت، 31 أكتوبر 2026 القاهرة 24.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي

أَغَداً ألقاك ؟!

أُفسح المساحة اليوم لهذه القصة الحقيقية التي عاشتها وحَكَتها الطبيبة العراقية المقيمة فى بريطانيا علياءالكندى .. تقول الطبيبة:

فى ظهيرة أحد الأيام فى شمال إنجلترا، تَطَّلَب عملى زيارة مريضٍ  ثمانينى عاجزٍ يعيش وحيداً في منزله ولا يقوى على الذهاب للطبيب بنفسه .. عرفتُ من سجله الصحى  أن اسمه (جوشوا) وهومصابٌ بسرطانٍ متقدمٍ فى أحد أعضائه ولا أمل فى شفائه ..  يعيش على المسكنات، بعد أن رفض كل أنواع العلاج، وفَضَّلَ البقاء في بيته ويموت فيه.

فتحتُ باب البيت بالرقم السري المعروف لدينا ضمن السجلات ..  ما أن دخلتُ حتى رَكَضَتْ نحوى كلبتُه الهزيلة .. وفهمْتُ  من نظرتها دون أن يصدر عنها صوتٌ أنها تستنجد بي  لكى أساعد صاحبها..  قادتنى نحو غرفته، فوجدته منزلقاً على كرسى كبير يكاد يسقط منه .. والوضع من حوله يُرثى له، فالسجاد مُلطخٌ ببقعٍ من كل الألوان، والرسائل والجرائد وعلب الطعام الفارغة ملقاةٌ في كل مكان ..حتى طعام كلبته مُبعثرٌ  فوق السجاد، إذ أنها كانت تُخرجه بنفسها من كيس طعام الكلاب المتروك قرب المدفأة .. المدفأةُ نفسها غطاها التراب لأن أحداً لم يُشعلها منذ زمن ..  كان البيت بارداً جداً وكئيباً ..ولما وجدتُ الحبوب المُسكنة للألم مبعثرةً على الأرض أدركتُ أنها كانت تسقط من يديه المرتعشتين قبل أن يوصلها إلى فمه .. وسط كل هذه الفوضى، لفت انتباهى صورةٌ لأم كلثوم معلقة على الحائط.

نظر المريضُ إلىَّ  وسألني عن اسمى فأجبتُه، فقال: هل أنتِ عربية؟ قلتُ: نعم، عراقية .. فأشار إلى الصورة على الحائط  وسألنى: هل تعرفين هذه؟ قلتُ له: بالطبع أعرفها .. قال: ما اسمها؟ .. قلت مُتعجبةً: إنها أم كلثوم، ولكن كيف تُعلق صورةَ امرأةٍ دون أن تعرفها؟ .. فقال: زوجتي (حسيبة) هي التي علقت صورتها، كانت تحبها كثيراً، هي عراقيةٌ مثلك لكنها يهودية .. اضطرت عائلتها لترك العراق، لأنهم يهود، ولكنهم كانوا ضد مبدأ اغتصاب الأرض فرفضوا العيش في إسرائيل، ولجأوا إلى بريطانيا ..  والتقيت بها أنا اليهودي البريطاني في المعبد، وأحببتها، ووعدتها أن أعود بها إلى العراق لتعيش هناك، ولكننى لم أفِ بوعدى، إذ لم أجرؤ على المجازفة بالعودة بها، ولم تتوقف هى عن حلم العودة، وعن سماع أغنيةٍ مكررةٍ لهذه المطربة كل يومٍ على مدى أربعين عاماً، إلى أن ماتت .. سألتُه:هل تعرف الأغنية؟ فقال: للأسف لم أحفظ كلماتها، ولكن حسيبة أخبرتنى مرةً أن الجملة الأولى منهاتعنى: هل سألتقيك غداً؟ (قالها بالإنجليزية) .. ففهمتُ أن زوجته كانت تستمع لأغنية (أغداً ألقاك؟) ..وأخبرتُه أننى أعرف الأغنية .. تَوَّسل إلىَّ أن أُسمعها له لأن حسيبة كانت تسمعها يومياً وتهديها للعراق..  وهو يريد أن يَسمعها ويهديها لحسيبة .. كان الرجل بين الحياة والموت .. لم يكن عندى وقتٌ، إذ كان علىَّ أن أغادر سريعاً  لكى ألحق بباقى مرضاى .. أخبرتُه أننى سأتصل به من تليفون العيادة الأرضى وأترك هاتفى الجوال إلى جانب السماعة وأتركه يسمع الأغنية .. وهو ما حدث بالفعل .. تركتُه على الخط مع الأغنية .. وذهبتُ لمتابعة مرضاى .. عُدتُ إليه بعد ساعةٍ وربع .. كانت الأغنية قد انتهت منذ دقائق .. شكرنى وقال: أنتِ أفضلُ مِنِّى .. فقد حققتِ أمنية إنسانٍ على وشك الموت .. أما أنا فلم أحقق أمنية زوجتى قبل أن تموت .. تمنيتُ له ليلةً سعيدة وأغلقتُ الهاتف.

صباح اليوم التالى علمتُ أنه مات .. ارتحتُ إلى أن أمنية جوشوا قد تحققت بعد أن استمع للأغنية والتقى بحسيبة .. ومن يومها وأنا أستمع لأم كلثوم كل يومٍ تغني (أغداً ألقاك) راجيةً أن أكون أوفر حظّاً من حسيبة .. وألتقي بالعراق غداً .. أو بعد غد.

هذه هى القصة (بتصرفٍ) كما رَوَتها د. علياء الكندى، ويمكن قراءتها من زوايا متعددة بالتأكيد .. أماأنا فقد استدعت من الذاكرة لقائى فى أمريكا منذ 35 عاماً بالطبيب المصرى د. حنا كبير أطباء مستشفى البلدة التى كنتُ أتدرب  بها وزوجته المصرية .. كانا (يتنشقان) على أى قادمٍ من مصر ليكرماه ويخدماه .. كان حُبهما المتدفق لمصر ممتزجاً بشجنٍ غامضٍ .. عرفتُ سببه تحت إلحاح  .. أستاذٌ ظالمٌ متعصبٌ حَرَمه من حقه كمصرىٍ متفوقٍ فى أن يكون معيداً فى إحدى جامعات الأقاليم فهاجرا حاملين فى قلبيهما الحب والجرح معاً .. عرفتُ الآن لماذا كان صوت أم كلثوم لا ينقطع من بيتهما، وكيف تحولت (هَجَرتَك) مثل (أغداً ألقاك) إلى أغنيةٍ وطنية، تنساب معها دمعتان صامتتان من عينيهما، لاسيما مع قول الست (لقيت روحى فى عز جفاك بافكر فيك وأنا ناسى) .. سامَحَ اللهُ بلاداً تُعَذِّبُ عشاقها.. ورَحِم الله أم كلثوم.

 (هذا المقال سَبَق نشره لى فى الأهرام قبل عامين .. وأُعيد نَشرَه اليوم مواكباً للاحتفال بمرور مائةٍ وعشرين عاماً على مولد السِتْ .. رحمها الله)
-----------------------
بقلم المهندس/ يحيى حسين عبد الهادى



استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:42
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
24.3°C
توقعات الساعات القادمة
24.3°C
25.3°C
25.9°C
26.1°C
26.5°C
26.1°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,063ج.م
عيار 21
6,180ج.م
عيار 18
5,297ج.م
الجنيه الذهب
49,440ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...