الخميس، 29 أكتوبر 2026 القاهرة 18.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي
أناركيّة

أناركيّة

كان أول معرفتى أنا وكثير غيرى من المصريين بمصطلح "الأناركية والأناركيون" فى فترة الفوضى التى أعقبت ثورة يناير ٢٠١١، وكان هؤلاء قد دعوا لمظاهرة أو أذاعوا خطابا لأمر ما، فسأل الناس: وما تلك الأناركية ومن هؤلاء الأناركيون؟! فعلمنا حينئذ بأن الأناركية هو مذهب سياسى اجتماعى فوضوى قائم على هدم دواوين الحكم! ولقد كان هذا القول منكرا أشد النكارة حين وعته أذنى، فأنا ابن شعب كان ولا يزال يرى أن جده الأكبر هو الدولة المركزية القائمة مدة خمسة آلاف سنة! وكما مضت ثورة يناير، وتفرق أهلها، ولم يبق منها إلا بضعة أحاديث تروى على سبيل الحسرة، أو التمنى، أو الشماتة، أو الملامة، فقد مضى هؤلاء الأناركيون، واندثر ذكرهم.

لكنى نظرت فى حال أمتنا المصرية فى الأعوام الأخيرة المنقضية فوجدت أن تلك "الأناركية" وإن كان اسمها قد نُسى، وذكرها قد انقضى إلا أن عملها لا يزال قائما على قدم وساق، وسعيها لا يزال حثيثا دؤوبا، وهى وإن لم تنتحل اسم "الأناركية"، وهى وإن لم تتعرض بالعدوان لدواوين الحكم، فإنها تضرب بفوضاها كل بيت، وتفتن كل قلب، وتفكك المجتمع قلبا وقالبا.

فمن الأناركية الخفية أن تنبرى طائفة من الناس فتُعنى بكلاب الشوارع عناية عظيمة حتى تكثر وتجتمع وتجتريء ويشتد أذاها على الناس، فتقطع الطريق، وتخيف الضعيف، وتفترس الصغير، فإذا ما قام أحد من آحاد الناس يطردها عن داره، أو يدفعها عن نفسه وولده انبرى له هؤلاء "الكلابية" يدافعون ويحامون عن عِرض الكلاب، ويلتمسون لها الرحمة، ثم تذهب فئة منهم فتسوى ما بين الكلاب والبشر، ثم تتمادى "أناركيتهم" فتذهب طائفة منهم إلى تفضيل الكلب على ابن آدم المكرم! وهم لا يقنعون بهذا، بل يذيعونه على صفحاتهم، ويدعون الناس إلى اعتناق مذهبهم فى تفضيل الكلب على البشر، فصارت عندنا طائفة تضع الكلب قبل الإنسان، ولولا الملامة لقالوا: "الإنسان إنما جُعل لأجل الكلب، لا الكلب لأجل الإنسان" فهذه أناركية فوضوية وإن أسموها "رفقا بالحيوان".

ومن الأناركية الخفية هؤلاء "النسويات" أتباع المذهب "النسوى"،  فإنهن لا يزلن يرين الرجل شيطانا مريدا حقت عليه اللعائن، ويدعين المرأة أن تبغض زوجها، وأباها، وأخاها، وأن تعاديهم؛ لأنهم من صنف الرجال، ولإرضاء هؤلاء "النسويات" توضع القوانين والأحكام التى تفرق بين المرء وزوجه، وتقطع الرحم بين الرجل وولده، وتنزع  ولاية الرجل على ابنه، وتبطل قوامته على زوجته، وتحط قدره عند أهل بيته، ويبثون البرامج والحوارات التى يخببون بها النساء على أزواجهن، فتفسد البيوت، ويشيع العصيان والنشوز، ويكثر الطلاق، وتضيع الأبناء والصغار. فهذه "أناركية فوضوية" وإن أسموها "حقوق المرأة".

وكذلك فإن من أبواب الأناركية تقديم حق المراهق على حق مجتمعه، ورفع منزلة الطالب فوق معلمه! فقد تجد الشاب قد فارق الطفولة، وظهرت عليه مخايل الذكورة، واشتد صوته، وانتفخت عضلاته، وميز عقله الصواب من الخطأ، ولكن يزعم الحقوقيون أنه لا يزال طفلا، هو عند القانون حَدَث دون الثامنة عشرة، فتراه يقترف الموبقات كافة من التحرش إلى القتل وهو آمن مطمئن أنه لا يزال طفلا، وأن العقوبات عليه ستخفف لحداثة سنه! فإن كان من حق هذا المفسد المعاملة بالرفق وإن سرق وقتل، فأين حق مجتمعه؟! فهذه "أناركية فوضوية" وإن أسموها "حقوق الطفل".

والطالب الذى يأتى مدرسته وهو يعلم أنه أعلى من معلمه درجة، وأن يد المعلم والمدير مغلولة عن رده عن طيشه وغيّه، وأن له من الحقوق ما ليس لمعلمه، وأنه يستطيع أن يسخر، ويهزأ، ويهين معلمه، وعلى المعلم أولًا إثبات الواقعة بشهودها، ثم يرفعها إلى الإدارة لتبت فى أمره، فتنبهه، أو تنذره، أو تفصله أياما ثم يعود غير مبالٍ ليكرر فعلته مع معلم آخر، فهذه "أناركية فوضوية" وإن أسموها "حقوق الطالب".

فمما ذكرت لك من الأمثلة تعلم أن "الأناركية" ليسوا بحاجة إلى حزب ظاهر ولا باطن، ولا إلى دعوات جهرية ولا سرية؛ لتعمل عملها فى حل وتفكيك الأمة، بل يكفيهم أن يُخرجوا لك بشرا يرون أن الكلب أعلى منهم درجة، ويكفيهم أن تنشأ ذكور ترى انفسها فى المنزلة الأدنى بعد الكلاب والأطفال والنساء، وتنزع عنهم الولاية والقوامة على أهلهم وأبنائهم، ويكفيهم أن يجعلوا المعلم هزوا مستضعفا بين يدى تلاميذه، وأن يكون الطالب أعلى من معلمه منزلة، فحينئذ تضطرب الدرجات، وتختل الطبقات، وتفسد الموازين والأحكام، وينحل المجتمع من تلقاء نفسه، وتصير عندك دولة بغير شعب، ودواوين حكم بغير أمة، بل شراذم من الفوضويين الذين اختلت عقولهم، وانحلت أخلاقهم فلا هم يصلحون فى العير ولا النفير، ولقد صدق الأول إذ يقول:

لا يصلح الناس فوضى لا سَراة لهم

ولا سَراة إذا جُهّالهم سادوا
--------------------------------------
بقلم: محمد زين العابدين
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:25
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.6°C
توقعات الساعات القادمة
18.6°C
18.5°C
18.8°C
20.7°C
23.1°C
25.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,280ج.م
عيار 21
6,370ج.م
عيار 18
5,460ج.م
الجنيه الذهب
50,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...